|
هل انتهت المرحلة الأولى من عملية التطوير في سوريا؟ وهل نحن على
أعتاب المرحلة الثانية؟ وهل التغيير سيكون السمة البارزة لهذه
المرحلة؟ وما هي آليات التغيير التي سيتم اعتمادها وكيف؟
مرحلة فك الجمود:
لو أردنا توصيف المرحلة السابقة من عملية التطوير في سوريا، فأعتقد
أن أهم ما حققته كان فك الجمود عن مؤسسات الدولة، وتعتبر هذه
العملية واحدة من أهم مراحل التطوير، وبالرغم من أن هذه المرحلة قد
طالت أكثر مما كان متوقعاً، وتميزت بالبطء الشديد، إلا أنها الآن
وصلت إلى نهايتها، ويمكن تلمس ذلك من التغييرات السريعة التي تحدث،
وذلك بالرغم من تحفظاتنا على اتجاهات هذه التغييرات.
سوريا واتجاهات التغيير:
لقد وصلنا الآن إلى مرحلة التغييرات السريعة، وأعتقد أنه لم يعد من
المجدي التعامل مع هذه المرحلة بنفس الطريقة السابقة، ففي المرحلة
السابقة، كان المطلوب فك الجمود مع المحافظة على الاستقرار، أما
الآن، فالمطلوب هو التحكم في اتجاه التغيير، ولهذا لابد من اعتماد
آليات مختلفة في هذه المرحلة الجديدة، خاصة وأن الفترة السابقة قد
شهدت خللاً كبيراً في آليات التوجيه الحالية، وبالتالي فإن اعتماد
الآليات السابقة سيؤدي لحدوث فوضى، ولهذا لابد من وقفة جدية لإدخال
التعديلات المطلوبة على أهم آليات توجيه عمليات التغيير.
آليات توجيه التغيير:
كما هو الحال في أي عملية تغيير لا يمكن دوماً ضبط كافة العوامل
المؤثرة في عملية التغيير، وبالتالي فإن إدارة عملية التغيير تتطلب
من جهة توصيفاً وفهماً كاملاً لكافة الآليات الداخلية المؤثرة على
سرعة واتجاه التغيير، كما أنها تتطلب مراقبة دقيقة للمتغيرات
الخارجية، والأهم من كل ذلك لابد من وجود آليات ومؤشرات قياس
لنتائج عمليات التغيير، وآليات تصحيحية تستخدم حين الضرورة لإعادة
توجيه عملية التغيير، وسنبين فيما يلي بعضاً من الآليات التي لا
يمكنها بوضعها الحالي مجاراة هذه العملية، والتي كانت في المرحلة
السابقة عبئاً على عملية التغيير، بدلاً من أن تساندها، وستكون في
المرحلة التالية أداة رئيسية في تحديد توجهات عملية التغيير
(باتجاه التطوير والتحديث، أم باتجاه الفوضى غير البناءة).
الجهاز الإعلامي:
يلعب الجهاز الإعلامي دوراً متعدد الاتجاهات، فهو وسيلة للحوار
الداخلي بين كافة الجهات المعنيــــة، ولمختلــــف القــــوى
الســياسـية والتوجهات الفكرية، كما أنه وسـيلة شـفافة لتبـادل
المعلومات بعيداً عن القيود المؤسساتية والاجتماعية والاقتصادية
والإدارية، ومن ناحية أخرى يلعب الجهاز الإعلامي دوراً في التواصل
مع الدول الأخرى عبر نقل الأفكار والمواقف والتحليلات في كلا
الاتجاهين، وربما التعقيب عليها.
طبعاً هذا الدور هو على المستوى النظري، وهو هام جداً لتأمين رأي
عام محلي حول القضايا المطروحة (من جهة)، ولتأمين أقنية لتبادل
الأفكار المتباينة بما يضمن أن هذا التباين سيؤدي لتصحيح التوجهات
وتأمين الدعم الشعبي اللازم لها.أما الصعيد المحلي للأسف، فإن
الجهاز الإعلامي مازال دون مستوى التحديات، فالإعلام الحكومي مازال
يعتبر نفسه ناطقاً رسمياً باسم الحكومة، وحتى عندما ينتقد بعض
الجهات الحكومية فيكون ذلك بتوجيهات من جهات حكومية أخرى، وهذا
الموضوع قد أفقد الجهاز الإعلامي الحكومي مصداقيته، وبالتالي وضعه
خارج قدرة التأثير على الرأي العام. أما الجهاز الإعلامي الخاص فهو
مازال غير قادر على لعب الدور المفترض، وذلك يعود بشكل رئيس
لتكبيله بقانون مطبوعات يفتقد للقدرة على تحقيق المطلوب من الإعلام
الخاص، كما أن آليات عمل الإعلام الخاص (من إعلان وتوزيع وترخيص)
تفتقد للجدية والمصداقية، وهي استكمال لقانون المطبوعات في إفراغ
الإعلام الخاص من مضمونه، أما الإعلام الإلكتروني وبالرغم من
الاختراقات المحدودة التي حققها، فهو مازال يفتقد للتنظيم المطلوب
(ولا نعني بالتنظيم التكبيل الحاصل حالياً للإعلام الخاص، ولكن عدم
تحويل هذه الوسيلة لآلية لتصفية الحسابات خارج إطار القانون).
استناداً لما سبق، فالإعلام الحالي في سوريا غير قادر على تشكيل
رأي عام، أو على توجيه الرأي العام، وبالتالي فإن أي تغيير قد يؤدي
لردود فعل (غير متوقعة)، ولإمكانية إساءة توظيف في أي اتجاه، خاصة
مع وجود أجهزة إعلام أخرى (من دول أخرى) قادرة على توجيه الرأي
العام المحلي بشكل كبير.
الجهاز الإداري الحكومي:
أعتقد أن واحدة من أهم عوائق عملية التطوير في سوريا هي الجهاز
الإداري الحكومي، إذ يبدو أن الإدارات الحكومية قد عملت لفترة
طويلة على تكرار الخطط السنوية من سنة لأخرى مع مجرد تعديل
الأرقام، مما أفقد هذا الجهاز دوره الأساس وهو تنفيذ التوجهات
(بشكل مباشر أو عبر التنظيم)، ولهذا فيبدو أن الجهاز الإداري
(التنفيذي) أصبح يمتلك حياته الخاصة المعزولة عن التوجهات العامة،
وبالتالي فلابد من تغييرات جذرية في النظام الإداري تضمن أن
التغيير الذي سيحصل سيكون في الاتجاه المطلوب وليس في أي اتجاه
آخر، وهنا ربما من المفيد الإشارة إلى الفشل الذريع الذي واجهته
عملية التطوير الإداري في الفترة الماضية، والتي أعتقد أن سببها أن
الجهاز الحكومي لا يمتلك خبرات قادرة على قيادة وتنفيذ عملية إصلاح
إداري فعالة، ولا يمتلك آليات للاستعانة بخبرات قادرة على مساعدته
في عملية الإصلاح، كما أن محاولات الاستعانة بالمؤسسات الأكاديمية
للمساعدة في ترميم المهارات التي يفتقدها الجهاز الإداري عبر إنشاء
ما تمت تسميته بالوحدات الهندسية الجامعية، لم تكن فعالة على
الإطلاق، حيث تحولت هذه الوحدات لامتداد للقطاع العام من حيث طرق
عملها، وبالتالي فقدت الوحدات الجامعية قدرتها على ضم الخبرات
المناسبة، وتحولت إلى مجرد جهاز حكومي آخر، يكتسب شرعيته من
القرارات الإدارية التي تحميه وليس من قدرته على تقديم قيمة معرفية
مضافة لمشاريع التطوير، وبالتالي لعبت هذه الوحدات دوراً في عرقلة
عملية التطوير بدلاً من مساندتها.
ورغم علمنا بالحوار الذي دار سابقاً حول أولويات الإصلاح (إداري-
اقتصادي- سياسي)، فإننا نعيد التأكيد على أن الإصلاح الإداري هو
أمر حيوي لم يعد يحتمل التأجيل، وأن دخول مرحلة التغيير دون وجود
جهاز إداري فعال سيعني عدم القدرة على التحكم في اتجاهات التغيير،
وبالتالي تفقد عملية التطوير القدرة على تحقيق أهدافها.
مجلس الشعب وماكينة القرارات:
كلنا يعلم أن مجلس الشعب الحالي قد أصدر عدداً كبيراً من القرارات،
ولكن هذه القرارات لم تكن ضمن خطة متكاملة (معلنة على الأقل)، كما
أن المجلس لم يراع وجود جهاز رقابي قادر على متابعة الآليات
التنفيذية للقوانين التي يصدرها، ولهذا كانت هذه القوانين مجرد
أرقام تضاف لإنجازاته دون أن تنعكس على الواقع. وبما أننا الآن
أمام انتخابات جديدة لمجلس الشعب، فنرجو أن تكون الآليات الرقابية
لعملية التنفيذ واحدة من أهم أولويات المجلس الجديد، كما نعتقد
بضرورة تطوير آليات عمل المجلس بما يجعل من آليات تعديل القوانين
أكثر شفافية وفعالية.
شبكة الأمان الاجتماعية:
إن أي عملية تغيير ستحمل الطبقات الفقيرة أعباء كبيرة، وقد ظهرت
بوادر ذلك في السنوات الماضية التي دفعت بشرائح اجتماعية جديدة إلى
مادون خط الفقر، ولهذا لابد من إنشاء شبكة أمان اجتماعية تضمن
حماية هذه الشريحة، وذلك حرصاً على هذه الشريحة (من جهة)، وحرصاً
على المجتمع الذي لا يرغب في انتقال هذه الشريحة من موقع إلى آخر،
ولهذا فإن بناء شبكة الأمان الاجتماعية قد تأخر كثيراً، ولا يمكن
بأي حال من الأحوال اعتبار آليات الدعم الحالية (بفسادها وترديها)
شبكة للأمان الاجتماعي، وذلك مهما زادت الحكومة من إنفاقها لآلية
الدعم الحالية (فهي كمن ينفخ في قربة مقطوعة).
بين التغيير والفوضى:
من المعلوم أن محدودية الأداء الحكومي قد جعلت معظم النشاطات
الإدارية والاقتصادية خارج إطار الرادار الحكومي (إن صحت التسمية)،
وبالتالي نشأت مفاهيم مثل (اقتصاد الظل- والقطاع غير المنظم- السكن
العشوائي)، وغيرها من المفاهيم التي توضح فكرة أن غياب الدولة عن
مجال ما لا يعني عدم حدوث تغيير فيه، ولكن تحدث تغييرات غير موجهة،
ولهذا فإننا نود التحذير من أن عدم إيلاء الآليات التي توجه عملية
التغيير الاهتمام الكافي، واستمرار الحكومة في اتباع سياسة النعامة
في مواجهة المشكلات سيؤدي لحدوث تغييرات غير متوقعة، ونخشى أن نصل
إلى اللحظة التي يخرج فيها التغيير عن مساره المفترض.
--------
- عن مجلة "أبيض وأسود" ونشرة
"كلنا
شركاء" - 15/3/2007
|