|
دخل
المشروعان الأمريكي - الإيراني في المنطقة مرحلة التناقض ، بعد
هدنةٍ غير معلنةٍ أعقبت احتلال أفغانستان والعراق ، استثمرها الطرف
الإيراني بجدارة ..
هذا التناقض لم يقتصر على هذين الطرفين ، بل لحقت بكل منهما قوى
ودول أخرى محلياً وعالمياً، فمعظم الأنظمة العربية باركت الموقف
الأمريكي ، بينما النظام السوري والمقاومة الإسلامية في لبنان
وفلسطين والعراق التحقت بالموقف الإيراني .
في صيف العام الفائت شهد هذا التناقض مواجهةً عسكريةً غير مباشرة ،
كان طرفاها الرئيسان إسرائيل وحزب الله ، بغض النظر عن أسبابها
ودوافعها وأهدافها المحلية ، ويلحظ المتابع لمسار الحرب وقوف
الشعوب العربية عامة والشعب السوري خاصة مع المقاومة الإسلامية
أثناء الحرب ، وانكفائه عنها بعد توقفها ، وانخراطها في المعركة
السياسة اليومية ، والنزول إلى ساحات بيروت .
يتجلى المشروع الإيراني بسماتٍ عديدة ، لعل أبرزها سعي إيران
لامتلاك التكنولوجيا النووية ، وطموحات إقليمية ، موظفةً قدراتها
الاقتصادية والعسكرية ، وتشابك مصالحها مع مصالح دولية أخرى لاسيما
روسيا ، التي انتقد رئيسها بوتن في خطابه في مؤتمر ميونخ الأمني
الولايات المتحدة " لخطواتها الأحادية الجانب وغير الشرعية على
الصعيد العالمي ، واستخدامها القوة المفرط والجامح ، واستخفافها
بأطراف المجتمع الدولي الأخرى " مع أن هذا الموقف مرهون بجدية
الولايات المتحدة بضرب إيران وبمصالح روسيا القومية .
لم تمسك إيران بمفاتيح التصعيد والتهدئة العراقية عن طريق
المرجعيات الدينية والمليشيات الشيعية المسلحة وحسب ، بل إن
الاحتلال الأمريكي للعراق و سقوط نظام صدام ، وحلَّ الدولة وتسريح
الجيش ، وعجز النظام الرسمي العربي عن الوقوف إلى جانب العراق ،
وإخفاق المجتمع العراقي في إعادة بناء الدولة ، دولة الكل
الاجتماعي ، هذه المتغيرات مهدت الطريق أمام إيران لأن تتطلع من
جديد إلى خارج حدودها ، ليكون لها دورٌ إقليمي في المنطقة .
لكن المشروع الإيراني الأيديولوجي والعسكري – النووي ودوره
الإقليمي يواجه ممانعةُ إقليميةً ودوليةً ، كما يواجه معارضةً داخل
إيران خوفاً أن يتكرر فيها ما حدث في العراق ، والرغبة في عودة
مشروع الإصلاح والاعتدال الذي دشنه الرئيس السابق " خاتمي"، بخصوص
المجتمع الإيراني المتسم بتعددٍ في نسيجه " المذهبي ، القومي ،
الإثني ، القبلي " ومن فقر وإهمال لمناطق عديدة في أطراف إيران
وحول مدنها.
على صعيد السياسة الخارجية يبدو تشابه النظامين الإيراني والسوري
من حيث رؤية كل منهما على أن أزمتهما خارجية ، لذا يهربان إلى
الأمام بالبحث عن تسويات خارجية تارة وترفعان وتيرة التحدي تارةً
أخرى. كأن هذا النهج سيحلُّ ما يعتري النظامين من أزمات مزمنة في
أولوياتها الأزمة السياسية ، واستمر " تحالفهما مع تعاظم النفوذ
الإيراني بالتوافق مع تراجع نظيره السوري " ، كما تتعرض الآن
قواسمهما المشتركة في العراق للتآكل .
يشهد العراق اليوم حرباً طائفية وحركة نزوح وهجرة داخلية وخارجية ،
ويتنامى دور المليشيات المسلحة ، ولم يعد خافياً دور إيران في
العراق ، فهي التي تغذي هذه الحرب ، مما زرع الريبة منها والتوجس
الإقليمي ، وسهَّل على الولايات المتحدة تعبئة المنطقة خلفها .
بالرغم من وصول التناقض بين المشروعين الأمريكي – الإيراني إلى
حافة المواجهة العسكرية ، تبقى العودة إلى ما قبل هذه الدرجة من
المواجهة احتمالاً قائماً ، أو اختيار ضربات أمريكية لعدد من
المواقع الإيرانية ، فما يجمع بين الدولتين من مصالح والتورط
الأمريكي في العراق وما تعانيه الإدارة الأمريكية من معارضة داخلية
، يدفع إلى هذا الاحتمال الأخير ، وقد أتت الدعوة إلى مؤتمر بغداد
الذي عقد في 10/3 حضره /16/ دولة ومؤسسة دولية بما فيها إيران
وسورية وفرنسا ، التي كانت من أشد المعارضين لهذه الحرب ، يرشح هذا
الاحتمال وربما يستبعده نهائياً على ضوء ما أسفر عنه المؤتمر
واللقاءات الثنائية والمؤتمر الثاني المزمع عقده في اسطنبول خلال
شهر نيسان القادم على مستوى وزراء الخارجية ، ويبقى التشدد
الإسرائيلي ضد المنشآت النووية الإيرانية قائماً .
إن مؤتمر بغداد الذي تم عقده بدعوة من الحكومة العراقية شكلاً
واستدعاءً من الإدارة الأمريكية حقيقة " بنيت فكرته على أن المشكلة
العراقية خارجية أي سببها التدخل الخارجي ، وكأن الاحتلال تدخل
داخلي " ، لذا لم يكن على جدول أعمال المؤتمر وضعُ جدولٍ زمني
لخروج القوات الأجنبية من العراق أولاً ، وثانياً " لم يمثل
المؤتمر كافة أطراف الصراع العراقية ، حضرت حكومة المالكي والمحتل
، وغابت عنه فئاتٌ من الشعب العراقي معارضةٌ للاحتلال سياسياً
وأخرى معارضةٌ عسكرياً " ، ولا نعتقد أن المؤتمر كسر الاحتكار
الأمريكي للعراق ، والسؤال : مؤتمر اسطنبول مؤتمر إدارة أزمة
العراق أم حلها ؟." حسب ما يطرحه أ. مصطفى اللباد "
عودةٌ للمشروعين – لم نتحدث عن المشروع الأمريكي لأننا نعاني منه
منذ مشروع أيزنهاورعام 1956 وأثناء الحرب الباردة - هما مشروع واحد
يتناقض طرفاه على المصالح وعلى مستقبل المنطقة ، وذلك لغياب
المشروع العربي ، الذي يبدأ بالتغيير الديمقراطي وبناء الدولة
المدنية ، الوطنية ، الحديثة ، التي تقوم على العقد الاجتماعي وحق
تداول السلطة على صعيد كل دولة ، بهذا المشروع يتعافى النظام
العربي العام ، وتعود شعوب المنطقة جميعاً إلى المشهد ، وتعود معها
أيضاً الأنظمة ، عندها يقوم مشروع النهضة العربي كطائر الفنيق من
تحت الرماد، فنحن الآن أمةٌ خارج التاريخ ، خارج الفعل والتأثير ،
وموضوعٌ لغيرنا إقليمياً ودولياً ، وتتحمل الأنظمة العربية المؤبدة
مجتمعةً ومنفردةً مسئولية ما آلت إليه الأمور ، لأنها صاحبة القرار
، وبيدها ثروات الأمة .
بعد هذه القراءة المطولة التي كان لابد منها ، لنطرح سؤالاً يتعلق
بعنوان هذا الموضوع :
" التغيير الديمقراطي في سورية بين مشروعين "

- هل قوى التغيير الديمقراطي العربية عامة وقوى التغيير الديمقراطي
السورية ، إن كانت داخل " التجمع الوطني الديمقراطي " وقوى " إعلان
دمشق " ومَنْ " خارجهما " ومَنْ داخل " حزب البعث " وأحزاب الجبهة
" هل هذه القوى جميعاً بديلٌ للمشروعين بالمعنى التاريخي ؟.
- هل هي ندٌ للمشروعين وما يكمن فيهما من تطرف واستبداد واحتلال ؟
.
إننا ننطلق على صعيد الداخل من مبدأ حرية الاعتقاد والتعبير الديني
والمذهبي والفكري والاختيار السياسي ، وحق كل التيارات والفعاليات
والقوى في تحمل مسؤولياتها الوطنية والسياسية بمواجهة الاستبداد
والتطرف والاحتلال، وعلى صعيد الخارج مع حسن الجوار والعلاقات
المتميزة مع الدول الإسلامية ، ومع دول العالم على ضوء مصالحنا
الوطنية والقومية .
لكن سياسة النظام السوري الموسومةٌ بالتشدد بمواجهة القوى
الديمقراطية و تعبيرات المجتمع المدني والجمعيات النسائية وجمعيات
حقوق الإنسان تثير الريبة ، فقد حلت وزارة الشؤون الاجتماعية
والعمل "رابطة النساء السوريات " و" جمعية المبادرة الاجتماعية " ،
وطلبت من وزارة العدل والداخلية ( إلغاء الجنسية عن معتقل الرأي
المحامي أنور البني ) .. ترافق هذا النهج بالتحالف مع إيران
والانفتاح على القوى الإسلامية المسلحة خارجياً وتعبئة بعض القوى "
الإسلامية " داخلياً ، وتجربة الأنظمة التي تبنت هذا النهج لم
تتوانَ أن تسخدمها بمواجهة المعارضة الأخرى في الداخل .
يدعو النظام في سورية لعودة المفاوضات غير المشروطة مع إسرائيل ،
ورحب وشارك بمؤتمر " بغداد " ووافق على ما أسفر عنه ، ولبى الدعوة
لحضور مؤتمر القمة في السعودية ، ومازال يتمسك ببنيته الشمولية من
إعلان حالة الطوارئ ، والمادة الثامنة من الدستور ، والقانون رقم
/49/ الذي يحكم بالإعدام على المنتسب إلى حزب " الأخوان المسلمين "
ويرفض طي ملف الاعتقال السياسي كاعتقال الدكتور عارف دليلة ومحاكمة
الأستاذ ميشيل كيلو و محمود عيسى وأنور البني وخليل حسين وسليمان
شمر وفائق المير ومعتقلي الرأي الآخرين ، ويصر على ممارسة
الاستحقاق الانتخابي التشريعي التاسع في 22 نيسان بنفس شروط
ممارستها في الدورة السابقة بالرغم من كل المتغيرات على صعيد
العالم .
إن مشروع التغيير الديمقراطي الذي دعا إليه " إعلان دمشق " وهو
مشروع وطني ، تعمل عليه قوى المعارضة في " التجمع الوطني
الديمقراطي " والأحزاب " الديمقراطية السورية الكردية " وقوى
ديمقراطية أخرى وشخصيات مستقلة . هذا المشروع لا يُستقدم ولا
تستقيم أموره عن طريق الاعتقال ، ولا مع قطع الأرزاق ولا بالأحكام
الجائرة الصادرة عن المحاكم الاستثنائية ، بل عن طريق إطلاق
الحريات العامة ، واحترام حقوق الإنسان، وتغيير القوانين في بنية
الدولة من حيث علاقتها بالسلطة وفصل السلطات ، مع أنه ليس لدينا
وهم أن نظاماً بهذه السمة الشمولية سيغير ما فيه بلحظة صحوة ضمير .
إن مواجهة الاستبداد والتطرف والتهديدات الخارجية وتحرير الجولان
تستدعي الانفتاح على الداخل والثقة بالشعب والحوار مع القوى
والفعاليات ، وقناعة الجميع بحق تداول السلطة وإجراء الانتخابات
الحرة ، واعتماد مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات
، لا عن طريق القمع والإقصاء .
نعتقد أن المشروعين الأمريكي - الإيراني في حال استمرار تناقضهما
أو وصولهما إلى تفاهم ما، هما مشروعان تدميريان للمنطقة ، فالتطرف
والاستبداد والاحتلال ضد التغيير الديمقراطي ، وضد بناء الدولة
المدنية الحديثة ، وأثبتت التجربة في العراق أيضاً أن مجتمعاتنا
عندما تنهار الدولة بغض النظر عن بنيتها والموقف منها، يعجز
المجتمع عن إقامة الدولة البديلة ، دولة الكل الاجتماعي ، وما يجرى
في العراق يدفع شعبنا للإحجام والخشية أن تتكرر تجربة العراق في
سورية ، وأعاق هذا مشروع التغيير الديمقراطي الذي عبر عنه " إعلان
دمشق "، وعلى قوى التغيير الديمقراطي أن تأخذ هذه المسألة بعين
الاعتبار .
إن الأزمة في سورية فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية " فالمؤشرات
الاقتصادية السلبية مثل ارتفاع نسبة البطالة ، وتدني فرص الحصول
على وظائف ، وتدني البنية التحتية وانعدامها في بعض المناطق ، لا
تشكل عاملاً حاسماً في عملية التحول الديمقراطي ، وإن كانت تمثل
عاملاً رئيساً في ازدياد التذمر من سياسات النظام د.رضوان زيادة "
، هذه الأزمة مفتوحة على عدة احتمالات ، علينا أن نواجهها بمشروع
التغيير الديمقراطي ، وإذا كانت الديمقراطية راهنة ، فالدولة
المدنية الحديثة هي الأخرى راهنة بنفس الأهمية، وإلا فنحن ذاهبون
بالشروط القائمة إلى المجهول .
إذا كان مطلوباً من التيارات الفكرية السياسية التوافق على مهام
التغيير الديمقراطي وعلى مواجهة الاستبداد والتطرف والتهديدات
الخارجية ، لكن مصالحة التيار القومي مع التطرف والاستبداد بذريعة
مواجهة الخارج ، كما انتهجت " المقاومة الإسلامية " على مجمل
الساحة العربية ، على حساب الدولة المدنية الحديثة، هي مخاطر
قائمة، فجهنم مبلطة بالنوايا الحسنة ، لأن الإنفجارات الاجتماعية
القادمة إذا حصلت ، ستأخذ شكلاً تصاعدياً ، والقوى الديمقراطية لا
زالت مجرد شاهد ، لغياب عنصر المعادلة الأساس في عملية التغيير
الديمقراطي وهو الشعب ، بينما القوى المرشحة حسب الشروط القائمة
بظل الاستبداد والاحتلال هي قوى التطرف .
من هنا نرى أن التغيير الديمقراطي في المنطقة وفي سورية مرتهنٌ
بحسم التناقض والصراع بين المشروعين الأمريكي - الإيراني ، وربما
يؤدي التوافق الإيراني والسعودي في لبنان إلى توافق في العراق
ويبعد شبح الحرب عن المنطقة ، لكننا نخشى أن يصبح وطننا قرباناً
لطموحات إيران الإقليمية .
لسنا من الداعين إلى الحرب وضرب إيران ، ولا راغبين في ذلك ، بل إن
حرباً جديدةً في المنطقة ستعقِّد مشروع التغيير الديمقراطي وبناء
الدولة المدنية ، وهذا أول درسٍ تعلمناه من الحرب على العراق ، إذ
عززت الحرب التطرف والاستبداد داخل العراق وفي المنطقة .
إذا كانت الأحزاب هي المحدد الأول للسياسة ، فلا توجد سياسة إلا
بوجود أحزابٍ يحتضنها الشعب ويلتف حولها ، وأن يكون لها برامجها
الخاصة ومهامها العامة على الصعيد الوطني ، وأن تكون علنية ، لكن
ضمن حدود المتاح والممكن ، فالهروب إلى الأمام غير مطلوبٍ ومضرٍ
وغير مجدٍ ، كذلك الهروب للخلف والالتحاق بقطار الاستبداد والتطرف
والاحتلال وهذا هو الانتحار ..
لقد قدم شعبنا السوري ومعارضته الديمقراطية بكل أطيافها ، في
السنوات الخمس الماضية الكثير مما يمكن تقديمه ، وراكم تجربةً
يُعتز بها من منتديات واعتصامات وبيانات وممارسة علنية ، و تضحيات
ولا يزال يقدم ، متُوجأً تلك المسيرة بـ " إعلان دمشق " للتغيير
الديمقراطي ، بغض النظر عن تقصير هنا وخطأ هناك .
ما وصلت إليه المعارضة الديمقراطية على طريق التغيير الديمقراطي
بحاجة إلى التمسك به والدفاع عنه والبناء عليه ، كما هو بحاجة إلى
تأطير وأشكال " تنظيمية " ، لكن التركيزعلى الأشكال"التنظيمية"
وحسب في ظل الشروط الحالية ، هو هروب للأمام وخوضٌ لمعارك
دونكشوتية تستنزف القوى ، فالأشكال " التنظيمية " تعبر عن واقع
وحالة حراك شعبي وعن فعل في الشارع ، عندها يكتسب مشروع التغيير
الديمقراطي الذي عبر عنه " إعلان دمشق " مشروعيته ، وهذا يستدعي
صبّ الجهود كل الجهود لعودة الشعب إلى السياسة وإلى ساحة الفعل .. |