ما تقرؤه هنا يتناول أحداثا جرت قبل خمسة قرون بالتمام والكمال. أي إسقاط لها على الحاضر أو الماضي القريب قد يسقط السقف فوق رأسك ورؤوس من حولك.. فاعقل وتوكل وخذ بحكمة الحمار حكمة حمار:  حسنات الاستبداد  خير من مساوئ الحرية

 


 

 

 

 

 

 


 

 
 
 

 


 
 
 

 

 

 

 

 



 

عبد الحفيظ الحافظ  

التغيير الديمقراطي في سورية

 بين مشروعين

 

 

دخل المشروعان الأمريكي - الإيراني في المنطقة مرحلة التناقض ، بعد هدنةٍ غير معلنةٍ أعقبت احتلال أفغانستان والعراق ، استثمرها الطرف الإيراني بجدارة ..

هذا التناقض لم يقتصر على هذين الطرفين ، بل لحقت بكل منهما قوى ودول أخرى محلياً وعالمياً، فمعظم الأنظمة العربية باركت الموقف الأمريكي ، بينما النظام السوري والمقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق التحقت بالموقف الإيراني .

في صيف العام الفائت شهد هذا التناقض مواجهةً عسكريةً غير مباشرة ، كان طرفاها الرئيسان إسرائيل وحزب الله ، بغض النظر عن أسبابها ودوافعها وأهدافها المحلية ، ويلحظ المتابع لمسار الحرب وقوف الشعوب العربية عامة والشعب السوري خاصة مع المقاومة الإسلامية أثناء الحرب ، وانكفائه عنها بعد توقفها ، وانخراطها في المعركة السياسة اليومية ، والنزول إلى ساحات بيروت .

يتجلى المشروع الإيراني بسماتٍ عديدة ، لعل أبرزها سعي إيران لامتلاك التكنولوجيا النووية ، وطموحات إقليمية ، موظفةً قدراتها الاقتصادية والعسكرية ، وتشابك مصالحها مع مصالح دولية أخرى لاسيما روسيا ، التي انتقد رئيسها بوتن في خطابه في مؤتمر ميونخ الأمني الولايات المتحدة " لخطواتها الأحادية الجانب وغير الشرعية على الصعيد العالمي ، واستخدامها القوة المفرط والجامح ، واستخفافها بأطراف المجتمع الدولي الأخرى " مع أن هذا الموقف مرهون بجدية الولايات المتحدة بضرب إيران وبمصالح روسيا القومية .

لم تمسك إيران بمفاتيح التصعيد والتهدئة العراقية عن طريق المرجعيات الدينية والمليشيات الشيعية المسلحة وحسب ، بل إن الاحتلال الأمريكي للعراق و سقوط نظام صدام ، وحلَّ الدولة وتسريح الجيش ، وعجز النظام الرسمي العربي عن الوقوف إلى جانب العراق ، وإخفاق المجتمع العراقي في إعادة بناء الدولة ، دولة الكل الاجتماعي ، هذه المتغيرات مهدت الطريق أمام إيران لأن تتطلع من جديد إلى خارج حدودها ، ليكون لها دورٌ إقليمي في المنطقة .

لكن المشروع الإيراني الأيديولوجي والعسكري – النووي ودوره الإقليمي يواجه ممانعةُ إقليميةً ودوليةً ، كما يواجه معارضةً داخل إيران خوفاً أن يتكرر فيها ما حدث في العراق ، والرغبة في عودة مشروع الإصلاح والاعتدال الذي دشنه الرئيس السابق " خاتمي"، بخصوص المجتمع الإيراني المتسم بتعددٍ في نسيجه " المذهبي ، القومي ، الإثني ، القبلي " ومن فقر وإهمال لمناطق عديدة في أطراف إيران وحول مدنها.

على صعيد السياسة الخارجية يبدو تشابه النظامين الإيراني والسوري من حيث رؤية كل منهما على أن أزمتهما خارجية ، لذا يهربان إلى الأمام بالبحث عن تسويات خارجية تارة وترفعان وتيرة التحدي تارةً أخرى. كأن هذا النهج سيحلُّ ما يعتري النظامين من أزمات مزمنة في أولوياتها الأزمة السياسية ، واستمر " تحالفهما مع تعاظم النفوذ الإيراني بالتوافق مع تراجع نظيره السوري " ، كما تتعرض الآن قواسمهما المشتركة في العراق للتآكل .

يشهد العراق اليوم حرباً طائفية وحركة نزوح وهجرة داخلية وخارجية ، ويتنامى دور المليشيات المسلحة ، ولم يعد خافياً دور إيران في العراق ، فهي التي تغذي هذه الحرب ، مما زرع الريبة منها والتوجس الإقليمي ، وسهَّل على الولايات المتحدة تعبئة المنطقة خلفها .

بالرغم من وصول التناقض بين المشروعين الأمريكي – الإيراني إلى حافة المواجهة العسكرية ، تبقى العودة إلى ما قبل هذه الدرجة من المواجهة احتمالاً قائماً ، أو اختيار ضربات أمريكية لعدد من المواقع الإيرانية ، فما يجمع بين الدولتين من مصالح والتورط الأمريكي في العراق وما تعانيه الإدارة الأمريكية من معارضة داخلية ، يدفع إلى هذا الاحتمال الأخير ، وقد أتت الدعوة إلى مؤتمر بغداد الذي عقد في 10/3 حضره /16/ دولة ومؤسسة دولية بما فيها إيران وسورية وفرنسا ، التي كانت من أشد المعارضين لهذه الحرب ، يرشح هذا الاحتمال وربما يستبعده نهائياً على ضوء ما أسفر عنه المؤتمر واللقاءات الثنائية والمؤتمر الثاني المزمع عقده في اسطنبول خلال شهر نيسان القادم على مستوى وزراء الخارجية ، ويبقى التشدد الإسرائيلي ضد المنشآت النووية الإيرانية قائماً .

إن مؤتمر بغداد الذي تم عقده بدعوة من الحكومة العراقية شكلاً واستدعاءً من الإدارة الأمريكية حقيقة " بنيت فكرته على أن المشكلة العراقية خارجية أي سببها التدخل الخارجي ، وكأن الاحتلال تدخل داخلي " ، لذا لم يكن على جدول أعمال المؤتمر وضعُ جدولٍ زمني لخروج القوات الأجنبية من العراق أولاً ، وثانياً " لم يمثل المؤتمر كافة أطراف الصراع العراقية ، حضرت حكومة المالكي والمحتل ، وغابت عنه فئاتٌ من الشعب العراقي معارضةٌ للاحتلال سياسياً وأخرى معارضةٌ عسكرياً " ، ولا نعتقد أن المؤتمر كسر الاحتكار الأمريكي للعراق ، والسؤال : مؤتمر اسطنبول مؤتمر إدارة أزمة العراق أم حلها ؟." حسب ما يطرحه أ. مصطفى اللباد "

عودةٌ للمشروعين – لم نتحدث عن المشروع الأمريكي لأننا نعاني منه منذ مشروع أيزنهاورعام 1956 وأثناء الحرب الباردة - هما مشروع واحد يتناقض طرفاه على المصالح وعلى مستقبل المنطقة ، وذلك لغياب المشروع العربي ، الذي يبدأ بالتغيير الديمقراطي وبناء الدولة المدنية ، الوطنية ، الحديثة ، التي تقوم على العقد الاجتماعي وحق تداول السلطة على صعيد كل دولة ، بهذا المشروع يتعافى النظام العربي العام ، وتعود شعوب المنطقة جميعاً إلى المشهد ، وتعود معها أيضاً الأنظمة ، عندها يقوم مشروع النهضة العربي كطائر الفنيق من تحت الرماد، فنحن الآن أمةٌ خارج التاريخ ، خارج الفعل والتأثير ، وموضوعٌ لغيرنا إقليمياً ودولياً ، وتتحمل الأنظمة العربية المؤبدة مجتمعةً ومنفردةً مسئولية ما آلت إليه الأمور ، لأنها صاحبة القرار ، وبيدها ثروات الأمة .

بعد هذه القراءة المطولة التي كان لابد منها ، لنطرح سؤالاً يتعلق بعنوان هذا الموضوع :

" التغيير الديمقراطي في سورية بين مشروعين "

- هل قوى التغيير الديمقراطي العربية عامة وقوى التغيير الديمقراطي السورية ، إن كانت داخل " التجمع الوطني الديمقراطي " وقوى " إعلان دمشق " ومَنْ " خارجهما " ومَنْ داخل " حزب البعث " وأحزاب الجبهة " هل هذه القوى جميعاً بديلٌ للمشروعين بالمعنى التاريخي ؟.

- هل هي ندٌ للمشروعين وما يكمن فيهما من تطرف واستبداد واحتلال ؟ .

إننا ننطلق على صعيد الداخل من مبدأ حرية الاعتقاد والتعبير الديني والمذهبي والفكري والاختيار السياسي ، وحق كل التيارات والفعاليات والقوى في تحمل مسؤولياتها الوطنية والسياسية بمواجهة الاستبداد والتطرف والاحتلال، وعلى صعيد الخارج مع حسن الجوار والعلاقات المتميزة مع الدول الإسلامية ، ومع دول العالم على ضوء مصالحنا الوطنية والقومية .

لكن سياسة النظام السوري الموسومةٌ بالتشدد بمواجهة القوى الديمقراطية و تعبيرات المجتمع المدني والجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان تثير الريبة ، فقد حلت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل "رابطة النساء السوريات " و" جمعية المبادرة الاجتماعية " ، وطلبت من وزارة العدل والداخلية ( إلغاء الجنسية عن معتقل الرأي المحامي أنور البني ) .. ترافق هذا النهج بالتحالف مع إيران والانفتاح على القوى الإسلامية المسلحة خارجياً وتعبئة بعض القوى " الإسلامية " داخلياً ، وتجربة الأنظمة التي تبنت هذا النهج لم تتوانَ أن تسخدمها بمواجهة المعارضة الأخرى في الداخل .

يدعو النظام في سورية لعودة المفاوضات غير المشروطة مع إسرائيل ، ورحب وشارك بمؤتمر " بغداد " ووافق على ما أسفر عنه ، ولبى الدعوة لحضور مؤتمر القمة في السعودية ، ومازال يتمسك ببنيته الشمولية من إعلان حالة الطوارئ ، والمادة الثامنة من الدستور ، والقانون رقم /49/ الذي يحكم بالإعدام على المنتسب إلى حزب " الأخوان المسلمين " ويرفض طي ملف الاعتقال السياسي كاعتقال الدكتور عارف دليلة ومحاكمة الأستاذ ميشيل كيلو و محمود عيسى وأنور البني وخليل حسين وسليمان شمر وفائق المير ومعتقلي الرأي الآخرين ، ويصر على ممارسة الاستحقاق الانتخابي التشريعي التاسع في 22 نيسان بنفس شروط ممارستها في الدورة السابقة بالرغم من كل المتغيرات على صعيد العالم .

إن مشروع التغيير الديمقراطي الذي دعا إليه " إعلان دمشق " وهو مشروع وطني ، تعمل عليه قوى المعارضة في " التجمع الوطني الديمقراطي " والأحزاب " الديمقراطية السورية الكردية " وقوى ديمقراطية أخرى وشخصيات مستقلة . هذا المشروع لا يُستقدم ولا تستقيم أموره عن طريق الاعتقال ، ولا مع قطع الأرزاق ولا بالأحكام الجائرة الصادرة عن المحاكم الاستثنائية ، بل عن طريق إطلاق الحريات العامة ، واحترام حقوق الإنسان، وتغيير القوانين في بنية الدولة من حيث علاقتها بالسلطة وفصل السلطات ، مع أنه ليس لدينا وهم أن نظاماً بهذه السمة الشمولية سيغير ما فيه بلحظة صحوة ضمير .

إن مواجهة الاستبداد والتطرف والتهديدات الخارجية وتحرير الجولان تستدعي الانفتاح على الداخل والثقة بالشعب والحوار مع القوى والفعاليات ، وقناعة الجميع بحق تداول السلطة وإجراء الانتخابات الحرة ، واعتماد مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، لا عن طريق القمع والإقصاء .

نعتقد أن المشروعين الأمريكي - الإيراني في حال استمرار تناقضهما أو وصولهما إلى تفاهم ما، هما مشروعان تدميريان للمنطقة ، فالتطرف والاستبداد والاحتلال ضد التغيير الديمقراطي ، وضد بناء الدولة المدنية الحديثة ، وأثبتت التجربة في العراق أيضاً أن مجتمعاتنا عندما تنهار الدولة بغض النظر عن بنيتها والموقف منها، يعجز المجتمع عن إقامة الدولة البديلة ، دولة الكل الاجتماعي ، وما يجرى في العراق يدفع شعبنا للإحجام والخشية أن تتكرر تجربة العراق في سورية ، وأعاق هذا مشروع التغيير الديمقراطي الذي عبر عنه " إعلان دمشق "، وعلى قوى التغيير الديمقراطي أن تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار .

إن الأزمة في سورية فكرية سياسية اقتصادية اجتماعية " فالمؤشرات الاقتصادية السلبية مثل ارتفاع نسبة البطالة ، وتدني فرص الحصول على وظائف ، وتدني البنية التحتية وانعدامها في بعض المناطق ، لا تشكل عاملاً حاسماً في عملية التحول الديمقراطي ، وإن كانت تمثل عاملاً رئيساً في ازدياد التذمر من سياسات النظام د.رضوان زيادة " ، هذه الأزمة مفتوحة على عدة احتمالات ، علينا أن نواجهها بمشروع التغيير الديمقراطي ، وإذا كانت الديمقراطية راهنة ، فالدولة المدنية الحديثة هي الأخرى راهنة بنفس الأهمية، وإلا فنحن ذاهبون بالشروط القائمة إلى المجهول .

إذا كان مطلوباً من التيارات الفكرية السياسية التوافق على مهام التغيير الديمقراطي وعلى مواجهة الاستبداد والتطرف والتهديدات الخارجية ، لكن مصالحة التيار القومي مع التطرف والاستبداد بذريعة مواجهة الخارج ، كما انتهجت " المقاومة الإسلامية " على مجمل الساحة العربية ، على حساب الدولة المدنية الحديثة، هي مخاطر قائمة، فجهنم مبلطة بالنوايا الحسنة ، لأن الإنفجارات الاجتماعية القادمة إذا حصلت ، ستأخذ شكلاً تصاعدياً ، والقوى الديمقراطية لا زالت مجرد شاهد ، لغياب عنصر المعادلة الأساس في عملية التغيير الديمقراطي وهو الشعب ، بينما القوى المرشحة حسب الشروط القائمة بظل الاستبداد والاحتلال هي قوى التطرف .

من هنا نرى أن التغيير الديمقراطي في المنطقة وفي سورية مرتهنٌ بحسم التناقض والصراع بين المشروعين الأمريكي - الإيراني ، وربما يؤدي التوافق الإيراني والسعودي في لبنان إلى توافق في العراق ويبعد شبح الحرب عن المنطقة ، لكننا نخشى أن يصبح وطننا قرباناً لطموحات إيران الإقليمية .

لسنا من الداعين إلى الحرب وضرب إيران ، ولا راغبين في ذلك ، بل إن حرباً جديدةً في المنطقة ستعقِّد مشروع التغيير الديمقراطي وبناء الدولة المدنية ، وهذا أول درسٍ تعلمناه من الحرب على العراق ، إذ عززت الحرب التطرف والاستبداد داخل العراق وفي المنطقة .

إذا كانت الأحزاب هي المحدد الأول للسياسة ، فلا توجد سياسة إلا بوجود أحزابٍ يحتضنها الشعب ويلتف حولها ، وأن يكون لها برامجها الخاصة ومهامها العامة على الصعيد الوطني ، وأن تكون علنية ، لكن ضمن حدود المتاح والممكن ، فالهروب إلى الأمام غير مطلوبٍ ومضرٍ وغير مجدٍ ، كذلك الهروب للخلف والالتحاق بقطار الاستبداد والتطرف والاحتلال وهذا هو الانتحار ..

لقد قدم شعبنا السوري ومعارضته الديمقراطية بكل أطيافها ، في السنوات الخمس الماضية الكثير مما يمكن تقديمه ، وراكم تجربةً يُعتز بها من منتديات واعتصامات وبيانات وممارسة علنية ، و تضحيات ولا يزال يقدم ، متُوجأً تلك المسيرة بـ " إعلان دمشق " للتغيير الديمقراطي ، بغض النظر عن تقصير هنا وخطأ هناك .

ما وصلت إليه المعارضة الديمقراطية على طريق التغيير الديمقراطي بحاجة إلى التمسك به والدفاع عنه والبناء عليه ، كما هو بحاجة إلى تأطير وأشكال " تنظيمية " ، لكن التركيزعلى الأشكال"التنظيمية" وحسب في ظل الشروط الحالية ، هو هروب للأمام وخوضٌ لمعارك دونكشوتية تستنزف القوى ، فالأشكال " التنظيمية " تعبر عن واقع وحالة حراك شعبي وعن فعل في الشارع ، عندها يكتسب مشروع التغيير الديمقراطي الذي عبر عنه " إعلان دمشق " مشروعيته ، وهذا يستدعي صبّ الجهود كل الجهود لعودة الشعب إلى السياسة وإلى ساحة الفعل ..

 

هل  لديك ما تقوله عن هذا المقال ؟ .. إذن اضغط هنا وارسله للنشر

 

 

 

 

 

المضحك المبكي تهتم بشؤون الضحك والبكاء