|
ا
الليرة السورية
صامدة خارجيا وضعيفة داخليا
جورج كدر
الطرفة الطويلة التالية أن اجتماعا عقد بين وزير المالية السوري و
نظيره الأمريكي تطرقا خلاله للواقع المعيشي لشعبي البلدين.. سأل
خلال الوزير السوري ما هو وسطي الدخل الشهري للمواطن الأمريكي
فأجابه عشرة آلاف دولار، يكفي الأسرة أن تنفق منها خمسة آلاف دولار
لتغطي نفقات معيشتها...أضاف الوزير الأمريكي مستطردا وأنتم كم هو
معدل الدخل الشهري لمواطنكم، أجاب السوري قرابة الألف ومئتين دولار
سنويا، ويحتاج إلى خمسمئة دولار أمريكي شهريا لتغطية نفقات معيشته،
ولكن أخبرني ماذا يفعل الأمريكيون بنصف رواتبهم المتبقية... فأجابه
لا دخل لنا له أن يترفه بها كما يشاء، المهم في الأمر من أين يأتي
السوريون بالخمسمئة دولار شهريا ودخله السنوي ألف ومئتي دولار..
أجاب وزير المالية السوري. كما أنكم لا تسألون موطنكم أين يصرف نصف
راتبه المتبقي..نحن أيضا لا نسأل مواطننا من أين يؤمن عشرة أضعاف
ما يحتاجوه ...
يبلغ عدد الموظفين الحكوميين أكثر من مليوني موظف منهم 33.5% وفق
دراسة للمكتب المركزي للإحصاء يتقاضون اقل من 6 الاف ل.س شهريا أي
يحصلون على دخل لا يكفي لتوفير مستوى معيشة لائق لافراد الاسرة
البالغ عددهم في المتوسط 5.5 شخصيا 2004 خاصة وان المشتغل الواحد
يعيل في المتوسط 2.6 فردا.. ماذا لو أضفنا هذا الرقم لمن يعيشيون
دون خط الفقر والذي تبلغ نسبتهم قرابة ثلاثين بالمئة لمن يعيشون
على أقل من دولارين يوميا.. هم حتما سيدقون حاجز السبعة ملايين
سوري يعيشون على خط الفقر..
الرقم الكارثة
لكن الرقم الكارثة الذي أظهرته دراسة المكتب المركزي للإحصاء هو أن
الحد الأدنى لدخل السوريين كي يعيشون كأي (كائن) على وجه البسيطة
يأكل ويشرب هو 12 ألف ليرة سورية، بعيدا عن أية رفاهية يمكن
(لإنسان) أن يختبرها..
في حال افترضنا بأن الحد الأدنى للمعيشة هو 12 ألف ليرة متجاهلين
ارتفاع الأسعار وضعف السيطرة عليها، ومتجاهلين أيضا الفجوة التي
يمكن أن يخلقها زيادة الاستيراد لبعض المنتجات الرئيسية لاسيما
اللحوم والبندورة والبطاطا على حساب الواردات للسيطرة على ارتفاع
الأسعار، إلا أنه لا يمكننا تجاهل أن أي زيادة حقيقية على الرواتب
والأجور وبأي درجة كانت ستتآكل مع سيطرة آفة التضخم وضعف السيطرة
عليها نتيجة تذبذب الأداء الاقتصادي ...
ما يثير الدهشة هو تغني مسؤولينا بالسيطرة على سعر صرف الليرة
السورية تجاه الدولار خارجيا واستقراره عند حدود الـ 50 ليرة،
وبالمناسبة هو انجاز ظللنا نناضل في سبيل المحافظة عليه على مدى
عقد ونصف من الزمن دون أن نحرك ساكنا لا زيادة ولا نقصان، ولكن
بمقابل تلك السيطرة كانت الهزات العنيفة تعصف بالليرة السورية
داخليا وتفقدها يوما بعد يوم قوتها الشرائية التي تتمتع بها، وهو
ما يمكن أن تختصرها الفلسفة البسيطة القائلة أن (الخمس فجلات كانت
تساوي ليرة، أما اليوم فالخمس ليرات بفجلة)..
تعترف دراسة رسمية أعدتها الحكومة مؤخرا أن استقرار سعر صرف الليرة
السورية انعكس إيجابيا على انخفاض تكلفة المواد الأولية الداخلة في
عملية الانتاج، وثبات أسعار موارد الطاقة..لكن الدراسة لم تعترف
بأن هذا الاستقرار لم ينعكس على سلة استهلاك السوريين بل كان
استقرار الليرة خارجيا وبالا عليها داخليا..
أحد أعمدة الفريق الاقتصادي أكد في وقت سابق أن(المواطن السوري
يحصد ثمار سياسية اقتصادية ماضية، فضعف مقاومة المواطن لهزات
الأسعار التي تحصل عائد إلى أن الفجوة التي حصلت في الربع الأخير
من القرن الماضي بين الرواتب والأسعار وتحديدا بين عام 1985 ـ 2000
لا يمكن أن تردم بست سنوات، إذ أن الأسعار ارتفعت خلال تلك السنوات
إلى 1200 بالمئة في وقت جمدت فيه الرواتب والأجور.. ).. وعليه فإن
أي زيادة لاحقة في الرواتب ستتآكل نتيجة لما سيرافقها بشكل مؤكد
زيادة في الأسعار، نتيجة لضعف الحكومة في السيطرة على مقومات
اللعبة الاقتصادية..
أزمة الثمانيات تنذكر ولا تنعاد
الدكتور نبيل سكر مدير المكتب الاستشاري للتنمية والاستثمار يفضل
أن ينظر إلى القوة الشرائية لليرة من ناحية التضخم الذي تجاوز
التسعة بالمئة مع استثناء قطاع البناء والعقارات.. الفكرة كلها،
بحسب الدكتور سكر، تكمن في كيفية السيطرة على التضخم التي ففي هذه
الحالة نرفع من القيمة الشرائية للمواطن ونحسن من دخله..
وإذ يؤكد الخبير الاقتصادي بأن الحكومة تعمل جهدها لكنها لا تملك
عصا سعرية، ينوه إلى أنه لا يوجد لدينا سياسية نقدية ...الآن
بدأنا... هناك الكثير من المعوقات في السوق تظهر في غياب المنافسة
والاحتكار وكلاهما يقف عائقا في وجه السيطرة على التضخم التي تكمن
إما في زيادة الطلب أو زيادة الكلف ...
يعود الدكتور سكر بنا إلى أوائل الثمانيات حيث كان الدولار بخمس
ليرات ثم ثمانية ليرات عام 82... تلك السنوات شهدت تدهور قيمة
الليرة السورية ووصلت إلى أسواء واقع لها خلال السنوات 85-86-87،
فعلى مدى أكثر من نصف عقد ظهر النقص بكل شيء بعد توقف القطاع العام
عن الانتاج الذي كانت البلاد تعتمد عليه في ناتجها المحلي بما يزيد
عن 65 بالمئة، ترافق ذلك مع أزمة القطع الأجنبي نتيجة انقطاع
معونات دول الخليج باستثناء السعودية بسبب دعم سورية لإيران ضد
العراق وكانت تلك المعونات تبلغ مليار دولار سنويا على اعتبار أن
سورية كانت دولة المواجهة لتعزيز صمودها... ومما فاقم من أزمة
القطع الاجنبي هو زيادة نفقات الدفاع والتنمية في ظل غياب سياسية
مالية أو نقدية، مع تفاقم ظاهرة تهريب العملة للبنان عبر أفراد
وشركات إنشائية ومؤسسات رسمية، هذه الأسباب خلقت تضخما هائلا تراوح
بين ثمانين وتسعين بالمئة ...
ولكن ماذا خلقت تلك الأزمة وما هي انعكاستها علينا اليوم؟
يجيب الدكتور سكر بأن هذا الواقع خلق (لدينا مشكلة بالأجور..) لا
تحلها زيادة الرواتب لأن زيادتها دون زيادة في الانتاجية يؤدي إلى
زيادة الطلب وهذا بدوره يفاقم من مشكلة التضخم..
لكن تدني القوة الشرائية للسوريين الواضحة وضعف الليرة السورية عن
مواكبة غلاء الأسعار رغم قدرتها على الحد من ارتفاع أسعار المواد
الأولية تدفع الخبير الاقتصادي الدكتور سكر إلى الدعوة إلى (ترشيد
الانفاق عبر ترشيد الهدر.. لأن هذه الخطوة أهم من رفع الدعم الذي
لا فائدة اجتماعية منه)..
هل من حلول؟
يرى الباحث في المجال النقدي نوار يعقوب أن أهم ما يفقد الليرة
السورية قواتها ويضعفها داخليا لدرجة كبير هو الكساد التضخمي الذي
يعاني منه الاقتصاد وتكمن خطورة هذا الواقع بأنه يمزج بين ركود
اقتصادي ونسب نمو ضعيفة مقابل ارتفاع مستمر في أسعار السلع.. وهذا
من أخطر ما يمكن أن يعاني منه أي اقتصاد في العالم.
ما يثير استغراب الباحث يعقوب خلال حديثه عن غياب الاستراتيجيات
الواضحة لمواجهة هذا الكساد التضخمي هو غياب هوامش المناورة في
أسعار الفوائد في سورية.. الأمر الذي يدركه جيدا واضع السياسية
النقدية في أي بلد كون تلك المناورة أحد أهم الأسلحة التي يواجه
بواسطتها تلك السياسة المشاكل الاقتصادية فـ (رفع أسعار الفوائد
سواء على الإقراض أو الاقتراض يحرف رؤوس الأموال من القنوات
الاستثمارية الى قنوات الادخار ليزداد الطلب على العملة الأمر الذي
يرفع من قوتها الشرائية وبالتالي تنخفض أسعار السلع المقيمة على
أساس هذه العملة لتنخفض أخيرا مستويات التضخم.والعكس بالعكس، يتابع
يعقوب، ففي حالة الكساد غالبا ما يقوم واضع السياسة النقدية بخفض
أسعار الفائدة وذلك لتسريع عجلة النمو الاقتصادي من خلال تحويل
رؤوس الأموال من الادخار الى الاستثمار وتخفيض تكلفة الاقتراض من
أجل التشجيع على الاستثمار وهذا ما لانراه في الاقتصاد السوري).
الأخطر من ذلك هو الواقع المرضي للمعومات الإحصائية في سورية الذي
يعاني تارة من الإسهال الشديد وأحيانا أخرى من (الكتام).. وهي من
أخطر ما يواجه الواقع الاستثماري في البلاد الذي يدلل على ضعفه
الشديد عدم انعكاس النهضة الاستثمارية التي يتحدث عنها المعنيين في
سورية على الواقع المعيشي للمواطنيين، بشكل يعزز ويقوي القيمة
الشرائية لليرة السورية..
يقول الباحث نوار يعقوب إن عدم وجود بيانات وأرقام اقتصادية واضحة
كمعدل النمو الاقتصادي, النمو على أساس القطاعات, البطالة, التضخم
وبشكل يمكن المستثمر أن يستند عليها لتقييم الوضع الاقتصادي قبل
الدخول للاستثمار يؤثر بشكل خطير على الاقتصاد السوري.. فهذه
الارقام، إما محسوبة على أساس خاطئ أو غير موجودة أو أنها قديمة
جدا فمعظم البيانات الاقتصادية تعود الى الربع الأول من العام
ألفين وخمسة بحسب النشرة الموجودة في الموقع الالكتروني للبنك
المركزي السوري.وإذا ما أضفنا الى ذلك مشكلة عدم وضوح القوانين
الاقتصادية والتفاوت الهائل بين نص القانون وكيفية تطبيقه على أرض
الواقع. فإن ذلك غالبا ما سيؤدي، كما يضيف يرى يعقوب، الى إضعاف
ثقة المستثمر بالسوق السورية وتخوفه من فكرة الاستثمار، على اعتبار
أن رأس المال جبان في الأحوال العادية فكيف مع واقع تغيب عنه
الشفافية والوضوح في القوانين الاقتصادية، ففي تلك الحالة سيؤدي
الى إحجام رؤوس الأموال عن الدخول الى الاقتصاد السوري الذي هو
بأمس الحاجة لها.
---------------------
- عن نشرة "كلنا شركاء" - 16/3/2007
|