|
|
النص التالي للكواكبي من الصفحات الأولي والأخيرة من كتابه'
طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد' في طبعته الثانية التي صدرت
في1902 منقحة ومزيدة بقلم عبدالرحمن الكواكبي. وتتضمن هذه
الصفحات جانبا من أفكاره الأساسية عن الاستبداد والحرية.
|
'الاستبداد لغة هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو
الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة'.
ويراد بالاستبداد عند إطلاقه استبداد الحكومات الخاصة لأنها مظاهر
أضراره التي جعلت الإنسان أشقي ذوي الحياة. وأما تحكم النفس علي
العقل, وتحكم الأب والأستاذ والزوج, ورؤساء بعض الأديان,
وبعض الشركات, وبعض الطبقات, فيوصف بالاستبداد مجازا أو مع
الإضافة.
الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرف فرد أو جمع في حقوق قوم
بالمشيئة وبلا خوف تبعة.., وقد تطرأ مزايدات علي هذا المعني
الاصطلاحي, فيستعملون في مقام كلمة( استبداد) كلمات:
استعباد, واعتساف, وتسلط, وتحكم. وفي مقابلتها كلمات:
مساواة, وحس مشترك, وتكافؤ, وسلطة عامة. ويستعملون في مقام
صفة( مستبد) كلمات: جبار, وطاغية, وحاكم بأمره, وحاكم
مطلق. وفي مقابلة( حكومة مستبدة) كلمات: عادلة,
ومسؤولة, ومقيدة, ودستورية. ويستعملون في مقام وصف الرعية(
المستبد عليهم) كلمات: أسري, ومستصغرين, وبؤساء,
ومستنبتين, وفي مقابلتها: أحرار, وأباة, وأحياء,
وأعزاء.
هذا تعريف الاستبداد بأسلوب ذكر المرادفات والمقابلات, وأما
تعريفه بالوصف, فهو أن الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان
فعلا أو حكما التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب
ولا عقاب محققين. وتفسير ذلك هو كون الحكومة إما هي غير مكلفة
بتطبيق تصرفها علي شريعة, أو علي أمثلة تقليدية, أو علي إرادة
الأمة, وهذه حالة الحكومات المطلقة. أو هي مقيدة بنوع من ذلك
ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوي, وهذه حالة أكثر
الحكومات التي تسمي نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية.
وأشكال الحكومة المستبدة كثيرة, ليس هذا البحث محل تفصيلها.
ويكفي هنا الإشارة إلي أن صفة الاستبداد, كما تشمل حكومة الحاكم
الفرد المطلق الذي تولي الحكم بالغلبة أو الوراثة, تشمل_ أيضا
الحاكم الفرد المقيد المنتخب متي كان غير مسؤول, وتشمل حكومة
الجمع ولو منتخبا لأن الاشتراك في الرأي لا يدفع الاستبداد وإنما
قد يعدله الاختلاف نوعا, وقد يكون عند الاتفاق أضر من الاستبداد
الفرد. ويشمل أيضا الحكومة الدستورية المفرقة فيها بالكلية قوة
التشريع عن قوة التنفيذ وعن القوة المراقبة, لأن استبداد لا
يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية فيكون المنفذون مسؤولين
لدي المشرعين, وهؤلاء مسئولون لدي الأمة, تلك الأمة التي تعرف
أنها صاحبة الشأن كله وتعرف أن تراقب وأن تتقاضي الحساب.
وأشد مراتب الاستبداد التي يتعوذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد
المطلق, الوارث للعرش, القائد للجيش, الحائز علي سلطة
دينية. ولنا أن نقول كلما قل وصف من هذه الأوصاف خف الاستبداد
إلي أن ينتهي بالحاكم المنتخب المؤقت المسؤول فعلا, وكذلك يخف
الاستبداد طبعا كلما قل عدد نفوس الرعية وقل الارتباط بالأملاك
الثابتة وقل التفاوت في الثروة وكلما ترقي الشعب في المعارف.
إن الحكومة من أي نوع كانت لا تخرج عن وصف الاستبداد ما لم تكن تحت
المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه كما جري في صدر
الإسلام فيما نقم علي عثمان ثم علي علي رضي الله عنهما, وكما جري
في عهد هذه الجمهورية الحاضرة في فرنسا في مسائل النياشين وبناما
ودريفوس.
ومن الأمور المقررة طبيعة وتاريخيا أنه ما من حكومة عادلة تأمن
المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا
وتسارع إلي التلبس بصفة الإستبداد, وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه
وفي خدمتها إحدي الوسيلتين العظيمتين جهالة الأمة, والجنود
المنظمة. وهما أكبر مصائب الأمم وأهم معاتب الإنسانية, وقد
تخلصت الأمم المتمدنة نوعا من الجهالة, ولكن بليت بشدة الجندية
الجبرية العمومية, تلك الشدة التي جعلتها أشقي حياة من الأمم
الجاهلة وألصق عارا بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد, حتي
ربما يصح أن يقال إن مخترع هذه الجندية إذا كان هو الشيطان فقد
انتقم من آدم في أولاده أعظم ما يمكنه أن ينتقم! نعم إذا ما دامت
هذه الجندية التي مضي عليها نحو قرنين إلي قرن آخر أيضا تنهك تجلد
الأمم وتجعلها تسقط دفعة واحدة. ومن يدري كم يتعجب رجال
الاستقبال من ترقي العلوم في هذا العصر ترقيا مقرونا باشتداد هذه
المصيبة التي لا تترك محلا لاستغراب إطاعة المصريين للفراعنة في
بناء الأهرامات سخرة, لأن تلك لا تتجاوز التعب وضياع الأوقات,
وأما الجندية فتفسد أخلاق الأمة حيث تعلمها الشراسة والطاعة
العمياء والاتكال, وتميت النشاط وفكرة الاستقلال, وتكلف الأمة
الإنفاق الذي لا يطاق وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم:
استبداد الحكومات القائد لتلك القوة من جهة, واستبداد الأمم
بعضها علي بعض من جهة أخري.
ولنرجع لأصل البحث فأقول: لا يعهد في تاريخ الحكومات المدنية
استمرار حكومة مسؤولة مدة أكثر من نصف قرن إلي غاية قرن ونصف,
وما شذ من ذلك سوي الحكومة الحاضرة في إنجلترا, والسبب يقظة
الإنجليز الذين لا يسكرهم انتصار, ولا يحملهم انكسار, فلا
يغفلون لحظة عن مراقبة ملوكهم, حتي إن الوزارة هي التي تنتخب
للملك خدمه وحشمه فضلا عن الزوجة والصهر, وملوك الإنجليز الذين
فقدوا منذ قرون كل شيء ما عدا التاج, لو تسني الآن لأحدهم
الاستبداد لغنمه حالا ولكن هيهات أن يظفر بغرة من قومه يستلم فيها
زمام الجيش.
أما الحكومات البدوية التي تتألف رعيتها كلها أو أكثرها من عشائر
يقطنون البادية يسهل عليهم الرحيل والتفرق متي مست حكومتهم حريتهم
الشخصية وسامتهم ضيما ولم يقووا علي الاستنصاف, فهذه الحكومات
قلما اندفعت إلي الاستبداد, وأقرب مثال لذلك أهل جزيرة العرب
فإنهم لا يكادون يعرفون الاستبداد من قبل عهد ملوك تبع وحمير وغسان
إلي الآن إلا فترات قليلة. وأصل الحكمة في أن الحالة البدوية
بعيدة بالجملة عن الوقوع تحت نير الاستبداد وهو أن نشأة البدوي
نشأة استقلالية بحيث كل فرد يمكنه أن يعتمد في معيشته علي نفسه فقط
خلافا لقاعدة الإنسان المدني الطبع, تلك القاعدة التي أصبحت
سخرية عند علماء الاجتماع المتأخرين و القائلين بأن الإنسان من
الحيوانات التي تعيش أسرابا في كهوف ومسارح مخصوصة, وأما الآن
فقد صار من الحيوان الذي متي انتهت حضانته عليه أن يعيش مستقلا
بذاته, غير متعلق بأقاربه وقومه كل الارتباط, ولا مرتبط ببيته
وبلده كل التعلق, كما هي معيشة أكثر الإنجليز والأمريكان الذين
يفتكر الفرد منهم أن تعلقه بقومه وحكومته ليس بأكثر من رابطة شريك
في شركة اختيارية, خلافا للأمم التي تتبع حكوماتها حتي فيما
تدين.
الناظر في أحوال الأمم يري أن الأسراء يعيشون متلاصقين متراكمين,
يتحفظ بعضهم ببعض من سطوة الاستبداد كالغنم تلتفت علي بعضها إذا
ذعرها الذئب, أما العشائر والأمم الحرة المالك أفرادها الاستقلال
الناجز فيعيشون متفرقين.
وقد تكلم بعض الحكماء لاسيما المتأخرون منهم في وصف الاستبداد
ودوائه بجمل بليغة بديعة تصور في الأذهان شقاء الإنسان كأنها تقول
له هذا عدوك فانظر ماذا تصنع, ومن هذه الجمل قولهم:
' المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه
لا بشريعتهم, ويعلم من نفسه أنه الغاضب المتعدي فيضع كعب رجله
علي أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي
لمطالبته'.
'المستبد عدو الحق, عدو الحرية وقاتلهما, والحق أبو الشر,
والحرية أمهم, أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا فيتصل نومهم
بالموت'.
'المستبد يتجاوز الحد ما لم ير حاجزا من حديد, فلو رأي الظالم
علي جنب المظلوم سيفا لما يقدم علي الظلم كما يقال: الاستعداد
للحرب يمنع الحرب'.
'المستبد إنسان مستعد بالطبع للشر وبالإلجاء للخير, فعلي الرعية
أن تعرف ما هو الخير وما هو الشر فتلجئ حاكمها للخير رغم طبعه,
وقد يكفي للإلجاء مجرد الطلب إذا علم الحاكم أن وراء القول فعلا.
ومن المعلوم أن مجرد الاستعداد للفعل فعل يكفي شر الاستبداد'.
'المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة, وكالكلاب تذبلا
وتملقا, وعلي الرعية أن تكون كالخيل إن خدمت خدمت, وإن ضربت
شرست, وعليها أن تكون كالصقر لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد
كله, خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أطعمت أو حرمت حتي من
العظام. نعم علي الرعية أن تعرف مقامها هل خلقت خادمة لحاكمها,
تطيعه إن عدل أو جار, وخلق هو ليحكمها كيف شاء بعدل أو اعتساف,
أم هي جاءت به ليخدمها لا ليستخدمها!. والرعية العاقلة تقيد وحش
الاستبداد بزمام تستميت دون بقائه في يدها لتأمن من بطشه فإن شمخ
هزت به الزمام وإن صال ربطته'.
من أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل علي العلم, واستبداد
النفس علي العقل ويسمي استبداد المرء علي نفسه, وذلك أن الله جلت
نعمه خلق الإنسان حرا قائده العقل, ففكر وأبي ألا أن يكون عبدا
قائده الجهل. خلقه وسخر له أما وأبا بأوده إلي أن يبلغ أشده,
ثم جعل له الأرض أما والعمل أبا, فكفر وما رضي إلا أن تكون أمته
أمه وحاكمه أباه. خلق له إدراكا ليهتدي إلي معاشه ويتقي مهلكه,
وعينين ليبصر, ورجلين ليسعي, ويدين ليعمل, ولسانا ليكون
ترجمانا عن ضميره, فكفر وما أحب إلا أن يكون كالأبله الأعمي,
المقعد, الأشل, الكذوب, ينتظر كل شيء من غيره وقلما يطابق
لسانه جنانه. خلقه منفردا غير متصل بغيره ليملك اختياره في حركته
وسكونه, فكفر وما استطاب إلا الارتباط في أرض محدودة سماها
الوطن, وتشابك بالناس ما استطاع اشتباك تظالم لا اشتباك
تعاون... خلقه ليشكره علي جعله عنصرا حيا بعد أن كان ترابا,
وليلجأ إليه عند الفزع تثبيتا للجنان, وليستند عليه عند العزم
دفعا للتردد, وليثق بمكافأته أو مجازاته علي الأعمال, فكفر
وأبي شكره وخلط في دين الفطرة الصحيح بالباطل ليغالط نفسه وغيره.
خلقه يطلب منفعته جاعلا رائده الوجدان, فكفر, واستحل المنفعة
بأي وجه كان, فلا يتعفف عن محظور صغير إلا توصلا لمحرم كبير.
خلقه وبذل له مواد الحياة, من نور ونسيم ونبات وحيوان ومعادن
وعناصر مكنوزة في خزائن الطبيعة, بمقادير ناطقة بلسان الحال بأن
واهب الحياة حكيم خبير جعل مواد الحياة الأكثر لزوما في ذاته,
أكثر وجودا وابتذالا. فكفر الإنسان نعمة الله وأبي أن يعتمد
كفالة رزقه فوكله ربه إلي نفسه وابتلاه بظلم نفسه وظلم جنسه وهكذا
كان الإنسان ظلوما كفورا.
الاستبداد يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة
عبوديته إلي جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله في عظمته
ويعاندون جهارا, وقد وردفي الخبر:( الظالم سيف الله ينتقم به
ثم ينتقم منه), كما جاء في أثر آ خر:( من أعان ظالما علي ظلمه
سلطه الله عليه) ولا شك في أن إعانة الظالم تبتدئ من مجرد
الإقامة في أرضه.
الاستبداد هو نار غضب الله في الدنيا, والجحيم نار غضبه في
الآخرة, وقد خلق الله النار أقوي المطهرات فيطهر بها في الدنيا
دنس من خلقهم أحرارا وبسط لهم الأرض واسعة وبذل فيها رزقهم,
فكفروا بنعمه ورضخوا للاستعباد والتظالم.
الاستبداد أعظم بلاء, يتعجل الله به الانتقام من عباده الخاملين
ولا يرفعه عنهم حتي يتوبوا توبة الأنفة. نعم, الاستبداد أعظم
بلاء لأنه وباء دائم بالفتن وجدب مستمر بتعطيل الأعمال, وحريق
متواصل بالسلب والغصب, وسيل جارف للعمران, وخوف يقطع القلوب,
وظلام يعمي الأبصار, وألم لا يفتر, وصائل لا يرحم, وقصة سوء
لا تنتهي. وإذا سأل سائل لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين ؟
فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا, فلا يولي
المستبد إلا علي المستبدين. ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق
لوجد كل فرد من أسراء الاستبداد مستبدا في نفسه لو قدر لجعل زوجته
وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم حتي وربه الذي خلقه تابعين
لرأيه وأمره. فالمستبدون يتولاهم مستبد والأحرار يتولاهم
الأحرار, وهذا صريح معني:( كما تكونوا يول عليكم). ما أليق
بالأسير في أرض أن يتحول عنها إلي حيث يملك حريته, فإن الكلب
الطليق خير حياة من الأسد المربوط.
وخلاصة البحث أنه يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد, ثم
يلزم حملها علي البحث في القواعد الأساسية السياسية المناسبة لها
بحيث يشغل ذلك أفكار كل طبقاتها, والأولي أن يبقي ذلك تحت مخض
العقول سنين بل عشرات السنين حتي ينضج تماما, وحتي يحصل ظهور
التلهف الحقيقي علي نوال الحرية في الطبقات العليا, والتمني في
الطبقات السفلي. والحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر
فيأخذ بالتحذر الشديد والتنكيل بالمجاهدين, فيكثر الضجيج,
فيزيغ المستبد ويتكالب, فحينئذ إما أن تغتنم الفرصة دولة أخري
فتستولي علي البلاد, وتجدد الأسر علي العباد بقليل من التعب,
فتدخل الأمة دورا آخر من الرق المنحوس, وهذا نصيب أكثر الأمم
الشرقية في القرون الأخيرة! وإما أن يساعد الحظ بعدم وجود طامع
أجنبي, وتكون الأمة قد تأهلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها,
وفي هذه الحال يمكن لعقلاء الأمة أن يكلفوا المستبد ذاته لترك أصول
الاستبداد, وإتباع القانون الأساسي الذي تطلبه الأمة. والمستبد
الخائر القوي لا يسعه عند ذلك إلا الإجابة طوعا, وهذا أفضل ما
يصادف. وإن أصر المستبد علي القوة, قضوا بالزوال علي دولته,
وأصبح كل منهم راعيا, و
كل منهم مسئول عن رعيته, وأضحوا آمنين, لا يطمع فيهم طامع,
ولا يغلبون عن قلة, كما هو شأن كل الأمم التي تحيا حياة كاملة
حقيقية. بناء عليه فليتبصر العقلاء, وليتق الله المغرورون,
وليعلم أن الأمر صعب, ولكن تصور الصعوبة لا يستلزم القنوط, بل
يثير همة الرجل الأشم.
ونتيجة البحث, أن الله جلت حكمته قد جعل الأمم مسئولة عن أعمال
من تحكمه عليها. وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها
الله لأمة أخري تحكمها, كما تفعل الشرائع بإقامة القيم علي
القاصر أو السفيه, وهذه حكمة. ومتي بلغت أمة رشدها, وعرفت
للحرية قدرها, استرجعت عزها, وهذا عدل.
وهكذا لا يظلم ربك أحدا, إنما هو الإنسان يظلم نفسه, كما لا
يذل الله قط أمة عن قلة, إنما هو الجهل يسبب كل علة.
وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشري, وذلك أن بواسق العلم وما بلغ
إليه, تدل علي أن يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقل فيه
التفاوت في العلم وما يفيده من القوة, وعندئذ تتكافأ القوات بين
البشر, فتنحل السلطة, ويرتفع التغالب, فيسود بين الناس العدل
والتوادد, فيعيشون بشرا لا شعوبا, وشركات لا دولا. وحينئذ
يعلمون ما معني الحياة الطيبة: هل هي حياة الجسم وحصر الهمة في
خدمته, أم هي حياة الروح وغذاؤها الفضيلة ؟ ويومئذ يتسني للإنسان
أن يعيش كأنه عالم مستقل خالد, كأنه نجم مختص في شأنه, مشترك
في النظام, كأنه ملك وظيفته تنفيذ أوامر الرحمن الملهمة
للوجدان.
|