|
عشرات القصص.. تتقاطع في التفاصيل، وتختلف في الرؤية، كلها تقصتها
(المال) وبحثت فيها على مدار أشهر.
في البداية تم اكتشاف (21) إصابة جديدة بفيروس الأيدز خلال الربع
الأول من عام ,2006 ومع نهاية العام وصل العدد الإجمالي للمصابين
المكتشفين إلى 477 مصاباً.(حسب إحصاءات وزارة الصحة)
مقدمات القلق
عالم ترك مكشوفاً، وتارة مغلقاً ولكن ليس بإحكام، وأياً كان، فإن
تلك الطمأنينة التي طالما ادعيناها، بسبب تدني أعداد المصابين
المكتشفين (ولننتبه أننا دائماً نتحدث عن المكتشفين)، بدأت تتحول
إلى قلق وإن كان غير معلن، حيث تؤكد الأرقام التي وصلتنا ازدياد
عدد الإصابات المكتشفة كل عام، حيث كانت الزيادة السنوية في
السنوات الأولى من اكتشاف أول حالة بحدود 6 إصابات لترتفع إلى 13
إصابة جديدة سنوياً ومن ثم 18 إصابة، حتى وصلنا إلى ,40 وإذا ما
استمر الأمر على هذا النحو، فإننا قد نصل إلى 320 إصابة جديدة كل
عام خلال 3 سنوات قادمة.
لِمَ هذه الزيادة، ولماذا شهد العام 2005 قفزة بالإصابات ولم تكتشف
إلا بالتحاليل؟ وماذا عن تلك التي لم تكتشف بعد؟ بمعنى لو لم يتم
إجراء التحاليل ما الذي كان سيدرينا بتلك الزيادة؟
هذا السؤال الذي حاولت (المال) الذي انطلقت منه (المال) لتبحث في
الأيدز ولكن برؤية مختلفة.
أتى.. وذهب
حتى الآن لا يوجد مركز متخصص في علاج الأيدز،هكذا بادرنا القول
محمد الأحمد عندما زرنا مراكز تحليل الأيدز، وأضاف ماذا تحوي
المشافي الحكومية من قصص مرضية عن حالات وصلت إليها خلال السنوات
الثلاث الماضية، ثم يردد لوحده الكثير الكثير.
صعوبة الحصول على المعلومات والتعامل بسريّة جعلتنا نحترم خصوصيتهم
الإنسانية وهذا واجب أخلاقي.
في إحدى المشافي الحكومية، أعطيت التوجيهات إلى الكادر التمريضي
بالانتباه إلى المريضة المتواجدة في القسم (؟) السرير (؟) لأنها
مصابة بالأيدز.
وكانت مفاجأة الكادر عندما شاهدوا سيدة بدا عليها أنها من أسرة
متحفظة، ولكن هذا لم يشفع لها ما فعل زوجها بها.
الزوج في زيارة إلى الوطن الأم، ويبحث عن شريكة حياته، وبعد ثلاثة
شهور من الزواج، تكتشف الزوجة جراء تحليل أنها مصابة بالأيدز
والسبب زوجها الزائر!!
وسيختفي.. غيره
الزوج اختفى، وبعد فترة من الاختفاء، علمت أسرة السيدة أنه في
طريقه للزواج بثانية وبعدها لم تعلم أي شيء. والسبب السريّة كما
ذكرنا، وإذا ما صدقت الأنباء التي تقول إنه ومنذ عام 2003 لم تحدث
أية وفية من المصابين بالأيدز، فإن ذلك الزوج حي يرزق.
تورد (المال) هذه القصة لتوضح نقطة هامة، وهي أن الزائر أو السائح،
يدخل إلى سورية، دون إجراء أو الطلب منه إجراء تحليل من مرض
الأيدز، حيث لا يفرض ذلك إلا على الأشخاص الطالبين للإقامة، أو
العاملين بموجب عقود عمل؛ وهذه ثغرة يدخل منها الأيدز دون شك.
وتدلّك أرقام السيّاح والزائرين المعلن عنها والتي تجاوزت الثلاثة
ملايين ونصف صعوبة مهمة ضبط العملية. طبعاً من الصعب إجراء تحاليل
لكل زائر وسائح، وما تساؤلنا السابق إلا مقدمة لثغرة ثانية يدخل
منها الأيدز.
حبس خارج الزواج
تقول إحصائية حصلت عليها (المال) إن العلاقات الجنسية خارج إطار
الزواج تشكل ما نسبته 60% من طرق انتقال العدوى في سورية.
وتقول الوقائع إن عدداً كبيراً من السياح يأتون إلى سورية بقصد
السياحة الجنسية، وهذه الثغرة الثانية التي نقصدها وإن كانت بشكل
عام غير معلنة.
وكان 156 سورياً قد أصيبوا عن طريق الجنس خارج إطار الزواج، وبلغت
نسبة الذكور المصابين 78% والإناث 22%.
ورغم ما يقال عن طبيعة مجتمعنا بعاداته وتقاليده، إلا أن المؤشرات
تقول إن شبكات الدعارة في ازدياد، وقد انتظم قسم كبير منها في مجال
السياحة الجنسية، وسط شكوك بقدرة الأجهزة الرسمية المختصة في
متابعة هذه الشبكات، وذهب البعض ممن التقتهم (المال) إلى التشكيك
في بعض عناصر تلك الأجهزة حيث إنهم قد يقدمون التسهيلات والحماية..
وقد أقر بازدياد كبير في عدد الشقق التي يتم استئجارها تحت البند
السياحي لسيّاح عرب، وازدياد عدد العاملين في مجال التأجير من
مكاتب وسماسرة.
المصدر قدّر عدد الشقق بحدود 1000 شقة سياحية موزعة بين الشقق
السكنية، لكن الأهالي وأصحاب مكاتب عقارية قدروها بأكثر من 4500
شقة سكنية في عموم محافظة دمشق ومحافظة ريف دمشق.
قبل عام كنّا هناك نرصد ونتابع، وعدنا بعد عام، لكن شيئاً لم
يتغير. حيث الصورة هي ذاتها، شقق سياحية موزعة ضمن الأحياء السكنية
والناس في حيرة من أمرهم، فالسلوكيات على مرأى ومسمع الأبناء
الأطفال والمراهقين.
وهنا قد تسمع قصة الطالبة الوديعة الهادئة التي غرر بها واختفت
لتدخل عالماً وحدها تعلم أين هو؟
هناك تسمع قصصاً نتجت عن مناخ مناسب للأيدز وتعاطي المخدرات.. إلخ.
يقول أحدهم: شاهدت بأم عيني كيف يجري إغراء فتيات فقيرات بالمال
وهن صغيرات في السن للانخراط في عالم السياحة هذا.
ويرد آخر: نسبة كبيرة من الإناث مصابات هنا بالأيدز ولا أحد يعرف
عنهن شيئاً.
لكن مختار الحي قال لـ(المال) حينها بلغة واقعية: نحن مع السياحة،
ونعرف أن الدعارة السياحية موجودة في كل دول العالم، ولكن هناك
أماكن مخصصة لها وليس ضمن الأحياء السكنية، فليس من المعقول أن
نخسر أبناءنا، وتدفع الدولة أموالاً طائلة في معالجتهم من الأيدز
والمخدرات في مقابل أن نكسب المزيد من السيّاح.
غير مقبول
أعداد كبيرة من المواطنين الذين التقتهم (المال) كانوا يسألون: في
بيئة مناسبة لانتشار مرض ما هل ينفع التثقيف الصحي أو التوعية
الصحية؟
المعنيون يقولون ومن مبدأ ليس بالإمكان أفضل مما كان، فلا بد أن
تكون التوعية وتحفيز السلوك الجيد أحد مفاتيح الحل.
كلام مختار الحي الواقعي، والمتضمن إقامة مناطق خاصة للشقق
السياحية بعيدة عن الأماكن السكنية، وإخضاع الزائرين والمستأجرين
فيها من رجال ونساء إلى تحاليل دورية، قد يكون الحل الأكثر واقعية.
لكن هذا الحل من غير الممكن تنفيذه نظراً لطبيعة مجتمعنا الدينية
والأخلاقية.
ماليزيا واحدة من الدول الإسلامية التي نظمت المسألة وحمت أبناءها
من الأيدز.
دقائق.. انصرف
(المال) تابعت تاكسي أجرة، أقلت فتاتين من أحد الأحياء السكنية حيث
يعرفهم أهالي الحي أنهما تعملان في مهنة الدعارة، لتقف التاكسي
أمام أحد مطاعم الربوة بدمشق، دخلت الفتاتان بينما كان في
انتظارهما شابان أحدهما يرتدي زياً خليجياً.
وسائق التاكسي انصرف على الفور وفهمنا أنه سيعود بعد ساعة ونصف ثم
كررنا المحاولة، حيث وصلت تاكسي للأجرة أخرى، إلى أحد الأماكن.
اتفقا على سعر السياحة الجنسية ومضيا سويّة. (المال) سألت إحداهن
هل أجريت فحوصات طبية أو فحص أيدز؟ أجابت بعنف لا داعي.
بؤرة أخرى
بعض حواري جرمانا، هناك يتداول المجتمع الكلام الكثير عن الدعارة
والكثير من الحكايات التي تصل حد الشائعة البعيدة عن أي منطق علمي
مثل أن يباع الكتشب ويحوي فيروس الأيدز. هنا تذكرنا كيف أن عدد
الإصابات قد حقق قفزة في عام ,2005 وإن كان له علاقة بالوضع الجديد
لجرمانا بعد انتشار قصص لها صلة بعراقيات حاملات لفيروس الأيدز؟
لم يصدر في حينها أي مؤشر ينفي أو يؤكد رغم الضرورة الملحة التي
كانت تقتضيها صدور أي بيان أي مؤشر من قبل جهة صحية.
أهالي جرمانا أحد ضواحي دمشق يتحدثون بنوع من التأكيد عن انتشار
كبير لمرض الأيدز في السنتين الأخيرتين في أوساط الدعارة بين قسم
من اللاجئين العراقيين. هناك من انتحر وهناك من هاجر وهناك من خلق
شبكة...إلخ
طريق آخر
طريق آخر بحثت فيه (المال)، هو طريق بنات الليل أو (الفنانات) ومن
ثم إلى طريق الخادمات. ففي الطريق الأول، توصلنا إلى أن فحوصاً
وتحاليل تجرى على الفنانات العربيات والأجنبيات ومن ضمنها تحليل
الأيدز، حيث عندما ذهبنا إلى مركز مكافحة الأيدز، شاهدنا العديد من
البطاقات الخاصة بالفنانات العربيات، وهناك من ينتظر النتيجة.
طبعاً الفحوص يطلبها فرع نقابة الفنانين وذلك وفق المحافظة التي
سيعملن بها الفنانات المستقدمات، لكن ما توصلنا إليه أيضاً هو أن
الفنانات السوريات لا يخضعن لهذه الفحوص، وهذه ثغرة كبيرة وخطيرة،
وخاصة أن التحاليل التي تطلب من الفنانات العربيات والأجنبيات
دورية، وهي وثيقة اطمئنان في النهاية، لكن الفنانات السوريات بلا
أية وثيقة للاطمئنان؟
خارج الحساب
في مجريات التحقيق الميداني تبيّن أنه منذ عام 1997 لم يجر أي مسح
طبي على شريحة الفنانات، والعاملين في الجنس التجاري، وحتى المسح
الذي أجري عام ,1997 قيل أنه حمل نتائج أقرب إلى خلو هذه الشريحة
من الإصابة. والأمر ذاته ينطبق على الخادمات، حيث وقبل توثيق
العقد، يطلب إجراء فحوصات وتحاليل مخبرية ومن ضمنها الأيدز.
وتحليل الأيدز لا يتم إلا عن طريق مخابر وزارة الصحة، والنتائج
المعتمدة في هذا الشأن من المخابر الخاصة غير معتمدة.
دم آمن
اللافت أيضاً، أنه تم انتقال الأيدز عن طريق نقل الدم بنسبة 10%،
فهل من إشكالية في المشافي أو بنوك نقل الدم كما روّج لذلك أحد
المسلسلات الدرامية التي عرضت مؤخراً؟
وجه آخر
على كل هو واقع رغبت (المال) في تسليط الضوء على بعض من جوانبه.
ونشير هنا أن اليونسيف قد اختارت سورية من بين أربع دول على مستوى
العالم لتكون عضواً في اللجنة الفنية الاستشارية للوقاية من المرض،
نظراً لدورها المتميز في التوعية، والمتابعون من المنظمات الصحية
العالمية، أشادوا بالنظام الذي يتبع في التعامل مع المرضى، بدءاً
من السرية وانتهاءً بتقديم الدواء والتحاليل المجانية.
هذا الكلام أكدته سيدة مصابة، حيث أشادت بالرعاية التي تقدم لها
وللمصابين عموماً، من حيث تقديم الدواء والاهتمام بعد أن انتقل
المرض عن طريق زوجها الذي توفي قبل أعوام وبقي السر معه في كيفية
وصول المرض إليه.
ويقدر تكلفة علاج المريض (تقديم الدواء) بـ 200 دولار شهرياً تقدم
مجاناً إضافة إلى التحاليل. ويجري التحضير حالياً لإعداد
الاستراتيجية الوطنية السورية للوقاية من الأيدز على أن يعلن عنها
قريباً.
لنقلق
مما تقدم يتضح أنه من الطبيعي أن نقلق، ومن الطبيعي أن تتعاون كل
الجهات، لكن ليس من الطبيعي أن نبتعد عن الواقع أو لنتعامى عنه،
فآن الأوان لتشريح الواقع الاجتماعي والصحي السوري ومواجهته بشجاعة
وبعقلية جديدة بحيث يتم وضع الحلول حتى ولو كانت بالكي.فمهما تكن
الاستراتيجيات فلابد أن تنطلق من عقلية مختلفة ومن آليات جديدة.
فمثلاً يتحفظ الأطباء عن الوقاية باستخدام الواقي الذكري وقد يكون
معهم حق لئلا يُفتح باب لا يحمد الدخول منه. وإن كنّا نتفق أنه من
الطبيعي أن نواجه الأيدز بالعو (عفه + وقاية) كما عبر عن ذلك مدير
البرنامج الوطني للوقاية من الأيدز في الندوة التي حضرتها (المال)،
وأخذنا كماً من المعلومات منها، فإنه من الطبيعي أن تكون أكثر جرأة
وانفتاحاً وخاصة أن سورية دولة علمانية كما هو مُعلن رسمياً.
بعض الأرقام:
- أول إصابة تم اكتشافها في عام .1987
- بلغ عدد الإصابات المكتشفة حتى نهاية عام 2006 /447 إصابة.
- عدد السوريين المصابين 260 سورياً.
- مع نهاية عام 2005 تم تسجيل 377 إصابة في سورية منها 226 سورياً
منهم 134 مصاباً و92 حاملاً للفيروس.
- منذ عام 2003 لم تسجل أية حالة وفاة بين المصابين.
- بلغ عدد حالات الوفاة بين السوريين المصابين قبل عام 2003/ 17
وفاة.
- تبلغ نسبة الإناث المصابات بـ 22%.
- نسب انتقال طرق العدوى:
- علاقات جنسية خارج إطار الزواج 60%.
- من الزوج للزوجة 14%.
- نقل دم 10% (حالات العدوى قبل عام 1992).
- لواطة 9%.
- مخدرات 4%.
- من الأم للجنين 3%.
--------------------
- عن مجلة "المال" ونشرة "كلنا شركاء" – 15/3/ 2007
|