|
لم يؤلف عبدالرحمن الكواكبي في حياته غير كتابين, نشرا في الصحف
والمجلات كمقالات وفصول, بتوقيعه أو بغير توقيع, ثم جمعت بعد
ذلك في كتابين صدرا حول سنة1900, ومنع الأمر السلطاني دخولهما
الممالك العثمانية. عنوان الكتاب الأول' طبائع الاستبداد
ومصارع الاستعباد' وعنوان الكتاب الثاني' أم القري'. وتذكر
المراجع التي وضعت عن الكواكبي أنه أثناء رحلة له في المشرق
في1901 ألف كتابين آخرين عن الاستبداد والحرية, عنوانهما'
العظمة لله' و'صحائف قريش'. غير أنهما فقدا مع أوراقه الخاصة
التي أستولي عليها السلطان عبدالحميد عقب وفاته.
ويمكن أن نجمل جهود عبدالرحمن الكواكبي وأبحاثه السياسية في معالجة
أدواء الشرق, وجوهرها بيان حقوق الرعية, وواجب الحكام نحو
الرعية بصفتهم وكلاؤها, ويعني بها صيانة الشرائع العادلة لهذه
الرعية, وكفالة الحرية, وتوفير الحياة الاجتماعية الطيبة
لها, والتعليم من الابتدائي إلي أعلي المراحل, وتأمين الحياة
للأبناء في حالة وفاة الآباء, وفتح المسارح, وإنشاء المكتبات
العامة, وحفظ الآثار. ومن خلال هذا المفهوم الديمقراطي الذي
نطالعه في كتابات كل رواد التنوير منذ رفاعة رافع
الطهطاوي(1801-1873), يري الكواكبي أن الشوري شوري الأشراف
وحدهم, ويقتصر الاستبداد علي رأي الفرد أو الجمع, وعدم استشارة
أحد فيما ينبغي الاستشارة فيه, ودون خوف من أي تبعة.
وتكون الحكومة مستبدة حين تصبح مطلقة العنان, تتصرف في شئون
الرعية كما تشاء, بغير مراعاة لأحد, أو خشية من أحد. وأشد
مراتب هذا الاستبداد حكومة الفرد المطلق الذي يحكم بالوراثة بلا
أصل من حق, وبقوة البطش, والسلطة الدينية. وأعدي أعداء هذا
الحاكم المستبد العلم والعلماء, لأنهم يرتفعون عليه علما
وفكرا.
والمسئولية الفعلية في نظر الكواكبي مسئولية مشتركة بين الحاكم
المنتخب والرعية التي لا تعرف التفاوت فيما بينها في التملك
والثروة, وتتمتع بالتساوي بالوعي والعلم والمعارف والصنائع
والآداب المدنية. ولتجنب المخاطر التي تنشأ من إفراط الأفراد في
التملك والثروة, نادي الكواكبي بتحديد الملكية الزراعية, منوها
بتحديدها في كل من الصين وروسيا. فمن يعمل في الأرض أحق بها.
كما نادي بشيوع معدات المصانع, وبالتوسع في الزراعة والتجارة,
وبحفظ الحقوق للجميع بالتساوي, وتأمين العدالة القضائية,
والسعي في العمران. والتفات الكواكبي إلي الصناعة يرجع إلي ما هو
معروف من أن الثورات الاجتماعية تقوم في المجتمعات الصناعية لا في
المجتمعات الزراعية.
أما تقديس الحكام, واعتبار كل رقابة شعبية للسلطة أو كل معارضة
لها ضربا من الخروج علي نظام الحكم يبرر الاجهاز عليه, فهو في
تقديره المفضي إلي الاستبداد, علي نحو ما يفضي إليه جهل الهيئة
الاجتماعية وتفرقها وعدم التعاون فيما بينها, وغلبة نزعات النفس
علي العقل, وسيطرة المنفعة الخاصة, وافتقاد الترابط بين
الناس, وغياب القيم الأخلاقية, والحس المشترك. ومقاومة
الاستبداد لا يكون بالعنف ولكن بالحكمة واللين والتدريج, وبمعرفة
الغاية والطريق الموصلة اليها, حتي إذا نجحت هذه المقاومة بفضل
قوة الاستنارة العقلية, أي بنور العلم والمعرفة والمطبوعات
والأبحاث العلمية, يجري عندئذ تدبير شئون الدولة علي أساس العدل
بالشوري الدستورية, وليس بمقتضي الهوي.
ومن هنا عد الكواكبي إصلاحيا لا ثوريا. غير أنه أقرب الاصلاحيين
إلي الثورة التي لا تتحقق إلا بالنضال, وذلك بتنبيه العقول,
وتشديد العزائم. وهو صاحب العبارة المشهورة التي يرد ذكرها كل
أسبوع في' الأهرام' علي صفحة الحوار القومي:' ما بال الزمان
يضن علينا برجال ينبهون الناس ويرفعون الالتباس ويفكرون بحزم
ويعملون بعزم ولا ينفكون حتي ينالوا ما يقصدون'. واقتراب
الكواكبي من عقيدة الثوار يتمثل في إدراكه أن وجود السيف بجانب
المظلوم يردع الظالم عن ظلمه, ويرده عن شره, فيؤمن بطشه.
ومع تسليم الكواكبي بأن مصر أسبق الدول العربية والإسلامية أخذا
بالعلم والحرية, فإن القضية الأساسية التي كرس حياته من أجلها لم
تكن تخص دولة عربية أو إسلامية دون غيرها, وإنما كانت تخص الأمة
العربية والإسلامية بأسرها, من أقصاها إلي أقصاها, بما فيها
مصر. وعلي أقطارها المختلفة أن تتعاون في تحقيق النظام
الديمقراطي الذي يقوم علي الانتخاب أو علي مجلس شوري واحد يعرف كيف
يراقب الحكومة, وكيف يتقاضي منها الحساب. علي ألا تختلف
قوانينها مع قوانين الأمم الحية المعاصرة التي تتعامل معها, حتي
لا تخرج علي الأوضاع الدولية العامة.
ومثل هذه الأفكار التي تضع في اعتبارها الأمم الأخري ليست غريبة
علي رجل كالكواكبي كان يري للفرد حقا علي الدولة والجامعة البشرية
بأجمعها, علي نحو ما لها- الدولة والجامعة البشرية- من الحق
علي هذا الفرد. ولأن أعمار الأفراد تقصر عن إنجاز هذه الاصلاحات
التي تستغرق عشرات السنين, فإن الكواكبي كان يعول علي الجمعيات
أكثر من التعويل علي الأفراد في إتيان وإتمام هذه الاصلاحات بطول
عمرها من جيل إلي جيل. وفي كتاب' أم القري' للكواكبي نجد
تكوين هذه الجمعيات من مختلف الجنسيات, أي علي المستوي القومي لا
المستوي المحلي.
وعبدالرحمن الكواكبي ضد التقليد وضد الإجماع, لأنهما ليسا حكما
علي أحد, ولا هداية حقة في نظره غير هداية النفس لذاتها وتحكم
العقل وحده, لا هداية الغير. وهو يفرق تفرقة قاطعة بين السياسة
والدين, قائلا بوضوح تام: أن الأمم الحية لا تأخذ في الترقي
إلا بعزل شئون الدين عن شئون الحياة. ويؤمن بأن إدارة شئون الأمة
وأحوالها تكون بالقوانين الطبيعية. أما الأديان فتحكم الآخرة.
وعبدالرحمن الكواكبي ولد في حلب في1848 أو1854, لأب كان أمينا
للفتوي, ومدرسا في الجامع الأموي, ومديرا لمدرسة الكواكبية في
حلب, ويملك مكتبة غنية بكتب التراث التي انتفع بها الكواكبي في
تكوينه الأول, مع ما أتيح له بعد ذلك من الاطلاع علي الكتب
العلمية والتاريخية والسياسية الحديثة, التي منحته أسلوبا
مقتضبا, يخلو من التعقيد والاستطراد والإطناب, ووسعت من معارفه
بالمؤلفات الحديثة العربية والأجنبية.
أما حلب فهي مدينة قارية المناخ, محافظة في خططها ومعمارها
وأسواقها, عامرة بالآثار, وتعد أقدم مدينة في التاريخ, فضلا
عن أنه كان لها دورها التجاري والثقافي المعروف منذ الفتح
الإسلامي, يقصدها العلماء من كل الأقطار.
تلقي الكواكبي في بلده تعليما دينيا شبيها بالتعليم الأزهري.
وأجاد من اللغات الشرقية التركية والفارسية إلي جانب العربية.
وبحكم دراسته للشريعة والقانون عمل قاضيا في محاكم راشيا بعد فترة
من اشتغاله بالجريدة الرسمية' فرات' التي كانت تصدر
بالتركية. سوي أنه أقيل من منصبه بسبب تمسكه بتطبيق العدالة,
فاشتغل فترة بالتجارة, ثم بالمحاماة.
وفي المحاماة اختلط بالمظلومين من ضحايا آل عثمان وحكامهم, وحرر
الكثير من ظلامات الناس منهم.
أصدر في1878 جريدة' الشهباء' التي تعطلت ثلاث مرات, كانت
المرة الأخيرة منها بعد صدور العدد الخامس عشر منها. وبعدها أصدر
باللغتين العربية والتركية في1879 جريدة' الاعتدال' التي لم
تسلم هي الأخري من التعطيل والتوقف لعداوة الوالي التركي في حلب
للحرية. تعرض الكواكبي للاعتقال في1886, ثم لمصادرة أملاكه.
وفي منتصف نوفمبر من سنة1898 هجر دياره ولجأ إلي مصر, أو علي
حد تعبيره اتخذها مركزا لنشاطه, ونشر في صحفها مقالاته السياسية
التي جمعت في كتابه' طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد'. وتوفي
في القاهرة في14 يونية1902.
وتحوي المكتبة العربية مجموعة من الكتب الكاملة ومن فصول الكتب عن
الكواكبي بأقلام عدد كبير من الكتاب والباحثين والنقاد. نذكر من
الذين وضعوا عنه الكتب: سامي الدهان, عباس محمود العقاد,
محمد أحمد خلف الله, السيد يوسف, ويقدر عدد الذين كتبوا عنه
فصولا في الكتب أو مقالات في الدوريات الصحفية بالعشرات, وكلها
أسماء لها وزنها في تاريخنا الثقافي.
|