|
كنا نتناول طعام العشاء سوية حين سمعنا صوت
عيار ناري مفاجئ، لم نكترث أبدا لاعتقادنا أن ما سمعناه مجرد
مفرقعات أطلقها أحد أطفال الحي الذي نسكن فيه، بعد يومين علمنا أن
ما سمعناه كان صوت رصاصة أطلق على "دلال" تلك المرأة الثلاثينية الجميلة
التي تسكن مقابل شقة أحدنا مباشرة، وعندما ذهبنا إلى رئيس قسم
الشرطة في حي القابون حيث نسكن، أخبرنا أن ما حصل "جريمة شرف" وأن
القاتل هو شقيق "دلال"، قال أحدنا لرئيس قسم الشرطة : إنها "جريمة
شرف متأخرة" كوننا نعرف منذ أكثر من عام عمل دلال في الدعارة، وعلى
مرأى من الجميع ممن يسكنون في الحي، وأكدنا: "قبل وفاتها وخاصة في
الصيف، كان مدخل البناء الذي تسكن فيه يعج بالسيارات ذات اللوحات
الخليجية." أوضح العقيد رئيس قسم الشرطة :"نعتقد أن أخوها قتلها
لأسباب مالية رغم أنه تذرع بالحفاظ على الشرف."
وغير "دلال" يوجد في غالبية من الأحياء الشعبية التي تنتشر حول
دمشق، الكثير من النساء اللواتي يمتهن الدعارة في المنازل والشقق،
حيث لم تعد ممارسة هذه المهنة كما كان في الماضي محصورة في أماكن
محددة وبعلم السلطات المختصة مثل "منزول بحسيتا" في حي باب الفرج
الذي يقع في مركز مدينة حلب، كذلك لم تكن محافظات أخرى تخلو من هذه
المحلات كدير الزور وحمص والحسكة وغيرها، فبعد أن أغلقت السلطات
منـزول بحسيتا الحلبي ، يؤكد البعض أنه انتقل إلى مدينة دير الزور
ثم إلى القامشلي و سمي هناك باسم (البيت الأبيض) .. لكن مثل هذه
الأماكن لم تعد موجودة اليوم بعد أن أغلقتها السلطات منذ نهاية
الستينات و بداية السبعينات من القرن الماضي، وهي المرحلة التي
شهدت وصول حزب البعث إلى السلطة.
وإذا لم يكن قد بقي من "منزول بحسيتا" سوى إسمه اليوم فإن بعض
الفنادق التي تنتشر في منطقة المرجة (وسط دمشق) ما زالت ورغم
الملاحقات الأمنية، مستمرة، وإن بأساليب مواربة، ببيع الجنس واللذة
للزبائن العابرين أو للذين يقصدونها خصيصا لهذا الغرض. كأن يكون
ستار المرأة التي تعمل في الدعارة، السكرتارية أو التنظيف..وغيرها
من المهن التي لا تثير شبهات السلطات. وقد ساهمت الشهرة التي تتمتع
بها هذه الفنادق كأماكن تبيع الجنس بأسعار رخيصة في استمرار البعض
في التردد نحوها وفي لجوء أصحاب تلك الفنادق للتحايل والاستمرار
رغم كل الملاحقات ورغم كل الشكاوي من أصحاب المحلات التجارية
المنتشرة بكثافة في الحي.
في أحد تلك الفنادق التقينا بالسيدة "نوف" وهي امرأة "نازحة" حسب
ادعائها، وهو مصطلح يدل على أبناء سكان منطقة الجولان الذين نزحوا
إلى الداخل بعد حرب 1967 ، "نوف" في العشرينات من عمرها، سمراء،
قالت إن بدايتها كانت في العمل كعاملة تنظيف في البيوت وبعلم
والديها، لكن مع الوقت ولكثرة ما تعرضت له في تلك البيوت من حوادث
تحرش، وبسبب صمت أهلها، قررت الهروب من المنزل، وبمساعدة أحد
الرجال الذين "تحبهم" وصلت إلى هذا الفندق منذ ثلاثة أشهر، وفي
البداية كان الاتفاق أن تتقاضى راتبا مقداره ثلاثمائة ليرة سورية
في اليوم مقابل القيام بأعمال التنظيف، لكن :"اكتشفت بعد يومين فقط
أن المطلوب مني أن أرضي أي زبون يطلب الجنس. " وقالت "نوف" :
أحيانا وفي اليوم الواحد أنام مع عشرة رجال من مختلف الأعمار مما
يوصلني لحالة قرف لا تتخيلونها من هذا العمل."
أخبرنا "سامر.ل" وهو شاب يملك محلا لبيع الهواتف المحمولة في أحد
الأحياء الشعبية أنه يعرف الكثير من العراقيات اللواتي أتين لسوريا
ويعملن في الدعارة، وحدثنا عن "مها" الفتاة العراقية التي لا
تتجاوز الخامسة عشرة من العمر، كيف بكت وترجت الرجل الذي يشغلها في
الدعارة بعلم أهلها، ألا يجبرها على تلبية بعض الطلبات الجنسية
الشاذة للزبائن،." ويضيف بائع الهواتف المحمولة :"هذه الفتاة تعيل
أسرتها المكونة من ستة أفراد وتسكن في حي مساكن برزة".
تدعي أنها من طائفة أخرى
زرنا مكان عمل مها و هو ملهى ليلي واقع على أطراف دمشق، و عرفنا
أنها تستقطب الزبون من الملهى إلى منزل أهلها في مساكن برزة، و
عادة ما تفضله خليجيا، نزلت مها من على " البيست" و بشكل مباشر
طلبت ألف ليرة سورية، عندما سألناها لماذا قالت: " لأبسطكم" و
عندما سالأنها من أي مدينة في العراق أتيت أجابت : أنا شيعية من
النجف، و لم تمر دقائق حتى تدخلت صديقتها و كذبتها قائلة " مها من
بغداد و هي سنية ، و لكنها دائما تردد أنها من الشيعة و الله لو
سمعها الصدر لذبحها..؟.على طاولة قريبة تدخل محمد في حديثنا و قال:
أغلبهن يغيرن طائفتهن فإذا كانت سنية تقول أنها شيعية و إذا كانت
شيعية تقول أنها مسيحية ألخ ..و شرح لنا محمد كيف صارت عنده خبرة
في موضوع العراقيات اللواتي يعملن هنا و أنه يميز ما بين الكاوليه
( نور العراق) من العرب.
بعد سقوط صدام حسين و الأحتلال الميركي للعراق عبرت آلاف الأسر
العراقية إلى سوريا
هربا
من جو الحرب و عدد كبير ممن يعملون في مهنة الرقص ( فنانات) و
الدعارة، الأمر الذي أدى إلى منافسة قوية ما بين العراقيات و
السوريات أو اللبنانيات أو المغربيات اللواتي يزاولن المهنة في شقق
خاصة تسمى ( الشقق المفروشة) المنتشرة في الكثير من أحياء دمشق، و
رغم أنه لا يوجد شبكات كبيرة لتسويق الدعارة في سوريا على غرار
المافيات العالمية إلا أن أفردا امتلكوا خبرة كافية في الترويج و
التسويق و حتى في توريط النساء، و الجديد في سوريا أن البعض يشتري
فتاة من أهلها بقصد العمل في الدعارة و لا يمكن أن يتركها حتى تسدد
ما عليها ، حسب " أبو أياد" الشاب الفلسطيني السوري الذي شرح لنا:
" حقيقة فوجئت بالأمر و تذكرت عصر النخاسة في التاريخ ، حين رأيت
شاب عراقي يتشاجر مع عائلة عراقية لإكمال المبلغ الذي عليهم حين
أشترى ابنتهم، و كان باقي لهذا الشاب عشرة آلاف ليرة سورية و قمت
بتسديد المبلغ و عتقتها منه، و هذا الأمر ليس حالة فردية و لكن بعد
الحرب و ما تعرضت له بعض العائلات من إحباط و جوع دفعت بناتها
ليعملن بأي شيء من أجل الطعام".
من على شرفتها في منطقة واقعة في ريف دمشق ( حرنه ـ مساكن) أشارت
لنا " سوسن" و هي امرأة لا تستقبل إلا زبائن أكابر حسب ما قالت،
أشارت إلى بعض البيوت التي تستأجرها العراقيات مدعية أنهم أساؤوا
إلى سمعة البلد و إلى المهنة عندما يقبلون بأسعار منخفضة، و قالت
أيضا : " الآيدز أنتشر من أعمالهن"!! و أخبرتنا تلك المرأة أيضا:"
في الصيف و قبل قدومهن تصل يوميتي إلى خمسين ألف ليرة سةورية
أحيانا ( ألف دولار أميركي) ، أما الآن إذا حصلت على خمسة آلاف
ليرة نعمة، و كل السبب تتحملة أميركا عندما أحتلت العراق، رحم الله
أيام صدم حين كان ضابب هالشراميط".
في جلسة جمعتنا مع أحد الصحافيين الذين يعملون في صحيفة رسمية،
أخبرنا أنه يسكن في حي جرمانا جنوب دمشق، وهي من المناطق التي
يقصدها العراقيين بكثافة، وأعترف لنا بأنه مضطر لإغلاق النوافذ
والستائر حتى لا يرى أطفاله وزوجته ما يحصل في البيوت والشقق
المقابلة، " كيفما التفتّ ستجد العراقيين في وجهك، يسهرون حتى
الصباح، تستطيع مشاهدتهم يشربون ويصرخون بأصوات عالية داخل الشقق
التي يسكنوها، غالبية هذه الشقق يسكنها عراقيون وعراقيات يعملون في
الدعارة."
انتشار الدعارة بشكل أفقي في الأحياء الشعبية المكتظة لا يقتصر على
العراقيات، ولم يبدأ مع قدومهن الكثيف إلى سوريا منذ بدء الحرب
والإحتلال الأمريكي، لكن حضورهن جعل الكثير من السوريين على تماس
يومي ومباشر ... فالشقق المفروشة في بعض أحياء دمشق تعطي إيحاءا
فوريا للدعارة ، و في تلك الأماكن نشطت مهن و تجارة تواكب الحركة
الليليلة و النهارية للمنطقة، فسائق تاكسي الأجرة مستفيد ، و يساعد
أحيانا في جلب الزبائن إلى الشقق و كذلك المحلات العقارية التي
تساعد أيضا في هذا الموضوع و كذلك محلات تنظيف الثياب.
الناشطة في قضايا المرأة رضوى عاشور التي تسنى لها أن تلتقي مع
الكثيرات من الداعرات في سجن النساء بمنطقة دوما شرق دمشق،
أخبرتنا:
" العينة التي أجريت عليها بعض القراءات تبلغ حوالي الخمسين فتاة
تتراوح أعمارهن بين الثامنة عشر والخامسة والعشرين، وهو سن تشغيل ـ
استهلاك ـ الفتيات، بل يبدأ التشغيل منذ سن أبكر بكثير، وقد تبين
لي أن الدافع الأكبر والأقوى لدى الأكثرية منهن لاحتراف هذه
المهنة، هو العامل الاقتصادي، حيث الفقر الذي يولد عدم التعليم
الذي يصطدم بالبطالة والذي ينتج عنها الجوع والمرض والتشرد ،وهذه
متتاليات سرطانية تفترس آدمية الإنسان" وحسب عاشور فـإن (إ. ش)
مثلا فتاة كانت قاصرا عندما دخلت سجن الأحداث في دمشق، ثم انتقلت
إلى سجن دوما للنساء ، لأنها كانت متهمة بثلاث تهم: الدعارة، تعاطي
المخدرات، والأهم قتل ابنة المرأة التي تشغلها .
وعن الآليات المتبعة التي يتم بموجبها التغرير
بالفتيات وسحبهم إلى سوق الدعارة تقول عاشور: " يبدأ الاضطهاد من
لحظة التغرير بهن، فبعد أن تضع الشبكة في طريق الهدف المختار
بعناية، وهو عبارة عن شاب "يحبها" بسرعة ويعدها بالذهاب إلى
العاصمة وغالبا ما يتزوجها بل ويحجبها حتى لا تثير الشبهات، يسارع
إلى ضمان ولاءها له ـ بالترغيب والترهيب ـ ففي أول فرصة سانحة
سيجلب أكثر من زبون، ويسرع إلى إخبار الشرطة لتقبض عليها متلبسة،
الأمر الذي يدشن دخولها إلى سجلات المشبوهات، ويجعل تراجعها ضربا
من المستحيل. رغم أن هذا الزوج المزعوم يسارع عبر شبكته المتداخلة
مع شبكة الفساد القضائي والأمني إلى إخراجها من السجن ـ حتى لا
يفوته الموسم ـ ليعاود استهلاكها من جديد وتدور الدائرة."
تخبرنا " تهاني" و هي سورية تغير لهجتها ما بين الحين و الآخر، أنه
في فصل الصيف تنهك من العمل و تمرض احيانا. و شرحت لنا: " عندما
تدخل الماما شابا إلى غرفتي و رغم أنها تحدد له المدة استسلم
نهائيا له و أحيانا لا أقوى على الحراك، و في بعض الأحيان يمارس
معي و انا أتابع المسلسل على التلفزيون، دون أن أبدي أي مشاعر
نحوه، و استغرب بماذا يستمتعون، أما في فصل الشتاء فكما ترون
الزبائن قليلون، و مضطرة للمجاملة ".
و تخبرنا عاشور في هذا الموضوع من خلال بحثها:" في الموسم السياحي
في الصيف تجبر الواحدة منهن على العمل طيلة الـ 24 ساعة دون راحة
وأحيانا لعدة أيام، وقد أكدت أكثر من واحدة أنها كانت "تعمل" وهي
نائمة أو نصف نائمة، ومنهن من قالت: بكيت وتوسلت أن يتركني أنام
وألا يخبر الـ"ماما" ـ حيث يجبرن على مناداة ربة العمل بهذا الاسم
ـ وقالت أخرى، وعدته أن أقبله على شفتيه ـ وهذا عرف سائد لدى
هؤلاء النساء، أن الفم هو أغلى ما يملكنه ولذلك فهن يحتفظن بمنحه
للحبيب الذي يغدقن عليه المال والقبل ـ إذا سمح لي أن أنام نصف
ساعة يدفع ثمنها للـ "ماما" وأضافت ثالثة: قرف من رائحة فمي لأني
لم أتناول طعاما منذ يومين ،والكثير من الأحاديث تسمعها عن ألم
الظهر والساقين والحرمان حتى من الحمام أيام الموسم بسبب زحمة
"الشغل" حتى أن الكثيرات أكدن أن السجن رحمة فهنا نأكل وننام
ونتحدث ونتسلى...
وقالت أيضا: "ومن شرور الاضطهاد، الابتكار والتفنن، فإحدى الـ
"مامات" كانت تستدرج البنات باللطف وتدللهن وتداعبهن على أنها
الـ"ماما" التي أحبت البنت / الهدف لله، لتفاجئها بعد أيام من
المقاومة بأن تفض لها غشاء بكارتها بإصبعها وتجبرها على الشغل،
وهذه حادثة شهدت فيها سجن المذكورة وتجريمها على تشغيل قاصر، وأشهد
أني لم أفهم كيف استطاعت الخروج من السجن..؟؟"
والأرقام التي حصلنا عليها من تقرير عن حالة الأمن العام في سوريا
لعام 2002 تدل على أن أسلوب "كبسات الشرطة" في مكافحة الدعارة لم
يعد أسلوباً مجديا:
يقول التقرير الصادر عن إدارة الأمن الجنائي في وزارة الداخلية أن
" جرائم تعاطي الدعارة السرية الواقعة في المحافظات السورية خلال
عام 2002 بلغت /438/ جريمة مقابل/ 468/ جريمة خلال عام 2001 أي
أنها انخفضت بمعدل 6% " كما يقول : " دمشق هي الأكثر ارتكاباً لهذا
النوع من الجرائم (47% منها) "
إلا أن هذه الأرقام الواردة في التقرير تبدو متواضعة بالقياس مع
الواقع. إذ أن من الممكن أن نجد خمسين عاهرة في ملهى ليلي واحد فقط
من ملاهي دمشق أو تلك التي حول المدينة.
عرصة ..شريف
بعض سكان الأحياء الفقيرة المنتشرة حول مدينة دمشق يتجنبون الصدام
المشاكل مع بيوت الدعارة، خوفا بأنهن مدعومات من الدولة، خلال
زيارتنا لأحد هذه الأحياء ،و بينما كان سائق تاكسي أجرة يحاول أن
يقطع الشارع تضايقت منه " تمارا" ، علمنا باسمها بعد الحادثة،
فنزلت من سيارتها و صفعته بعد أن وجهت إلية شتائم تتعلق بالجانب
السفلي من والدته، لم يرد السائق ، و عندما سألناه عن السبب، قال:
هذه تمارا ... ليش في ضابط ما بتعرفو...؟
في هذا الحي كنا نقصد بيت " ليالي" مع دليلنا " العرصة" و قبل
وصولنا إلى المنزل طلب مبلغا من المال و عندما ترددنا قال: أنا
فلان أشرف عرصة في هذا الحي و بإمكانكم أن تسألوا!!، و صلنا إلى
البيت رحبت بنا و قالت من الأول أخبرناها بأننا نرغب بشرب شيء ،
قالت ماذا ترغبون أخبرناها شاي .. ضحكت ضحكة جنسية ، رغم أن زوجها
كان يجلس دون أن يتحدث بشيء، عرفنا فيما بعد أن لديها طفلين من
زوجها السابق، و هذا الزوج الجديد أعمى تزوجته فقط من اجل الغطاء
القانوني،و لعنت فيما بعد كل الرجال حتى والدها الذي تبين أنه أول
من تحرش فيها.
------------------------
- عن
"داماس بوست"
|